الجزائر في قلب إفريقيا: ثبات المبادئ وفاعلية الحضور

كتب بلقاسم جبار
في لحظة إفريقية دقيقة، تتداخل فيها التحديات السياسية بالأمنية والإنسانية، برز الموقف الجزائري مجددًا كعنوان للاتزان والوضوح.
فقد جددت الجزائر، على لسان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، التزامها الثابت بدعم مسارات الاستقرار في القارة، مؤكدة من منبر الاتحاد الإفريقي أن الحلول الدائمة لا تُبنى إلا بالحوار الشامل، واحترام السيادة الوطنية، وضمان انتقالات سياسية آمنة تستجيب لتطلعات الشعوب.
هذا الموقف، الذي جاء في سياق بحث تطورات الأوضاع في جنوب السودان، يعكس جوهر الرؤية الجزائرية القائمة على الجمع بين المبدئية والواقعية السياسية.
الجزائر لا تتعامل مع الأزمات الإفريقية بمنطق ردّ الفعل، بل وفق تصور استراتيجي متكامل يستند إلى تجربة وطنية عميقة في إدارة الأزمات وبناء المصالحة.
فهي تدرك أن أي مسار انتخابي لا يمكن أن ينجح دون بيئة أمنية مستقرة، وأن أي ترتيبات أمنية تظل هشة ما لم تُدعّم بإرادة سياسية جامعة. لذلك جاء تركيزها على ثلاثية مترابطة: الحوار، خارطة الطريق الانتخابية الواضحة، وتسريع تنفيذ الترتيبات الأمنية.
إن الدعوة إلى حوار شامل لا تندرج في إطار الطرح النظري، بل تعكس قناعة راسخة بأن الإقصاء يولد الهشاشة، وأن إشراك جميع الفاعلين هو الضامن الحقيقي لوحدة الدول واستقرارها.
كما أن التأكيد على ضرورة تنظيم انتخابات حرة ونزيهة يعبر عن احترام عميق لحق الشعوب في اختيار ممثليها بعيدًا عن الضغوط أو الإملاءات.
وفي الشق الأمني، تبدو الرؤية الجزائرية واقعية إلى حد بعيد؛ إذ إن توحيد القوات وإعادة نشرها وفق ترتيبات متفق عليها يمثل حجر الأساس لأي استقرار دائم.
فالأمن ليس مجرد غياب للسلاح، بل هو حضور لمؤسسات قادرة على حماية المدنيين وترسيخ سيادة القانون.
غير أن ما يميز المقاربة الجزائرية هو إدماجها للبعد الإنساني في صلب التحرك السياسي. فالأزمات الإفريقية، مهما كان طابعها، تنعكس أولًا على المواطن البسيط. ومن هنا تأتي دعوة الجزائر إلى تعبئة دعم دولي فعّال، يواكب الجهود السياسية ويساهم في تخفيف المعاناة الإنسانية.
إن ثبات الجزائر على مبادئها – دعم السيادة، رفض التدخلات السلبية، تشجيع الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية – لم يمنعها من التحرك بمرونة ومسؤولية داخل الفضاء القاري. بل على العكس، جعل منها فاعلًا يحظى بالمصداقية والاحترام، وقادرًا على لعب أدوار بناءة في اللحظات المفصلية.
في المحصلة، لا تسعى الجزائر إلى تسجيل مواقف إعلامية عابرة، بل إلى ترسيخ نهج طويل الأمد يقوم على المصالحة، والاستقرار، والتنمية المشتركة. وهو نهج يؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بإمكاناتها، بل أيضًا بقدرتها على أن تكون عامل توازن وأمل في محيطها الإقليمي.





