المناولة الصناعية.. الجزائر تفتح الطريق أمام شراكات جديدة

تتجه الجزائر نحو تعزيز دور المناولة الصناعية كأحد المحاور الرئيسية لتطوير القاعدة الإنتاجية الوطنية، من خلال توسيع شبكة العلاقات بين المجمعات الصناعية الكبرى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، بما يسمح بتوطين المزيد من مكونات الإنتاج وتقليص الاعتماد على المدخلات المستوردة.
ويقوم هذا التوجه على إنشاء شبكة محلية من الموردين والمناولين القادرين على توفير قطع الغيار والمكونات والخدمات التقنية وأعمال الصيانة للمؤسسات الصناعية الكبرى، وهو ما من شأنه خلق فرص جديدة أمام المؤسسات الجزائرية للاندماج في سلاسل الإنتاج وتطوير قدراتها التقنية والإنتاجية.
وفي هذا السياق، تبرز مبادرة «إدماج» كإحدى الآليات الرامية إلى تقريب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة وحاملي المشاريع من المؤسسات الكبرى، حيث تستهدف ربط أكثر من ألف مؤسسة بنحو 50 شركة وطنية عمومية وخاصة، بهدف خلق فرص مباشرة للتعاون وإبرام اتفاقيات في مجال المناولة الصناعية.
كما تدعم هذه الديناميكية منصة رقمية وطنية متخصصة في المناولة، تهدف إلى تسهيل الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمؤسسات وقدراتها الإنتاجية، ومساعدة الشركات الباحثة عن موردين أو خدمات تقنية على الوصول إلى المؤسسات المحلية المناسبة.
ولا تقتصر عملية تطوير المناولة على توفير قطع الغيار والمكونات، بل تمتد إلى البحث عن حلول تكنولوجية جديدة لتحسين أداء المصانع. وفي هذا الإطار، تسمح مبادرات مثل «هاكاثون الصناعة» بإشراك الشركات الناشئة والمهندسين وحاملي المشاريع في ابتكار حلول مرتبطة بالصيانة التنبؤية واللوجستيك وتحسين عمليات الإنتاج.
الصناعة الميكانيكية في مقدمة القطاعات المستفيدة
ويحتل النشاط الميكانيكي مكانة مهمة ضمن استراتيجية تطوير المناولة، بالنظر إلى ارتباطه بصناعات السيارات والعتاد الفلاحي والسككي والتجهيزات الثقيلة، وهي قطاعات تحتاج إلى قاعدة واسعة من الموردين المحليين القادرين على إنتاج مكونات مطابقة للمواصفات المطلوبة.
وتشكل صناعة السيارات، على وجه الخصوص، مجالًا واعدًا أمام المؤسسات الجزائرية الراغبة في دخول سلاسل التوريد الصناعية، من خلال تصنيع أجزاء كهربائية وميكانيكية وهيكلية، والضفائر والبطاريات وقطع الغيار، إلى جانب الخدمات المرتبطة بالصيانة وما بعد البيع.
كما يمكن أن تمتد فرص المناولة إلى المجال الفلاحي، عبر تصنيع بعض قطع غيار الجرارات والمضخات والمعدات الهيدروليكية، بما يفتح المجال أمام توسيع قائمة المنتجات المصنعة محليًا وتقليل الحاجة إلى اقتنائها من الأسواق الخارجية.
وتعزز مشاريع إنتاج المواد الأولية في الجزائر هذه الرؤية، إذ يمكن لتوفير الحديد والمواد الأساسية محليًا أن يمنح المؤسسات الصناعية هامشًا أكبر لتطوير منتجاتها وخفض تكاليف بعض المدخلات، خاصة بالنسبة للمؤسسات العاملة في الصناعات الميكانيكية والتحويلية.
«فيات» تفتح فرصًا جديدة أمام المناولين
ويبرز مصنع «فيات» التابع لمجمع «ستيلانتيس» في طفراوي بولاية وهران كأحد المشاريع التي يمكن أن تساهم في توسيع سوق المناولة المحلية، خصوصًا مع توجه المصنع نحو تعميق التصنيع وإدخال عمليات جديدة في الإنتاج.
ومع ارتفاع احتياجات المصنع من المكونات وقطع الغيار والخدمات، تتزايد فرص المؤسسات الجزائرية القادرة على استيفاء الشروط التقنية المطلوبة، في وقت تعمل فيه الشراكات الجزائرية الإيطالية على تشجيع إقامة مشاريع مشتركة ونقل الخبرة والتكنولوجيا وتطوير صناعة المكونات محليًا.
وتشمل خطة الإدماج المرتبطة بالمشروع مئات المراجع من قطع الغيار والمكونات الموجهة للتصنيع المباشر للمركبات، إضافة إلى مكونات مرتبطة بخدمات ما بعد البيع، وهو ما يوفر مجالًا واسعًا أمام المؤسسات المتخصصة للدخول تدريجيًا في سلسلة التوريد.
ومع التوجه نحو رفع القدرات الإنتاجية للمصنع مستقبلًا، يمكن أن يتوسع الطلب على المنتجات والخدمات المحلية، غير أن الاستفادة من هذه الفرص ستبقى مرتبطة بقدرة المؤسسات الجزائرية على احترام معايير الجودة والكميات والآجال المطلوبة.
الجودة شرط أساسي لدخول سلاسل الإنتاج
ولا يكفي امتلاك المعدات والقدرات الإنتاجية لضمان دخول المؤسسات الجزائرية إلى سلاسل التوريد الكبرى، إذ أصبحت المطابقة للمعايير الدولية عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة المناول على الحصول على عقود طويلة الأمد.
ويشمل ذلك، بالنسبة لقطاع السيارات، احترام المعايير الخاصة بالجودة، إلى جانب تطوير الموارد البشرية والهندسة الصناعية والقدرة على الاستجابة للمواصفات التقنية للمصنعين.
كما تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات الصناعية والجامعات والمدارس العليا ومراكز البحث في تكوين المهارات المتخصصة وتطوير الحلول التقنية، فضلًا عن مساعدة المؤسسات على الوصول إلى شهادات الجودة والمطابقة التي تفتح أمامها المجال نحو الأسواق الدولية.
من السوق المحلية إلى التصدير
ولا تتوقف أهداف تطوير المناولة عند تقليص فاتورة الاستيراد، إذ يمكن للمؤسسات التي تنجح في بناء قدرات إنتاجية تنافسية أن تتحول تدريجيًا إلى مصدر للمكونات والمنتجات الصناعية.
وتمنح الأسواق الإفريقية والعربية، إلى جانب الفرص المرتبطة بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مجالًا إضافيًا أمام المؤسسات الجزائرية التي تستطيع توفير منتجات ذات جودة وأسعار تنافسية واحترام آجال التسليم.
ويحتاج تحقيق هذا الهدف إلى مؤسسات قادرة على الإنتاج المنتظم، والاستثمار المستمر في التكنولوجيا والتكوين، وتطوير منتجاتها وفق المعايير الدولية، وهي عوامل يمكن أن تساعد المناولة الصناعية على الانتقال من خدمة السوق الوطنية إلى المشاركة في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أمام فرصة للنمو
ويمنح توسع المناولة الصناعية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة فرصة لبناء علاقات تجارية أكثر استقرارًا مع المجمعات الكبرى، والاستفادة من الطلب الصناعي لتطوير معداتها وكفاءاتها ومنتجاتها.
وفي المقابل، تستفيد الشركات الكبرى من قاعدة أوسع للموردين المحليين، بما يساعدها على تقليص بعض تكاليف النقل والاستيراد، وتحسين سرعة التزويد، ورفع مرونة عمليات الإنتاج.
وبذلك، تتحول المناولة من مجرد نشاط ثانوي مرتبط بالمصانع الكبرى إلى حلقة أساسية في بناء منظومة صناعية متكاملة، تقوم على توزيع القيمة المضافة بين مختلف المؤسسات بدل حصرها في مرحلة التصنيع النهائي.
نحو قاعدة صناعية أكثر تكاملًا
وتشير هذه الديناميكية إلى توجه نحو بناء نموذج صناعي أكثر ترابطًا، يجمع بين المجمعات الكبرى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة والجامعات ومراكز البحث، مع الاعتماد على الإنتاج المحلي للمواد والمكونات وتطوير الكفاءات والتكنولوجيا.
ويُنتظر أن يؤدي نجاح هذا المسار إلى زيادة الإدماج الصناعي، وتوسيع قاعدة الموردين الجزائريين، وخلق فرص استثمار جديدة، فضلًا عن دعم قدرة المؤسسات الوطنية على تطوير منتجات قابلة للتسويق خارج الجزائر.
وتبقى قدرة المناولين المحليين على تحقيق مستويات عالية من الجودة والإنتاجية والاستمرارية عاملًا حاسمًا في نجاح هذه الاستراتيجية، خصوصًا مع توسع مشاريع صناعة السيارات والميكانيك والعتاد الفلاحي والسككي والصناعات الثقيلة.
وبقدر ما تنجح الجزائر في بناء شبكة قوية من المؤسسات القادرة على تزويد مصانعها محليًا، تقترب الصناعة الوطنية من الانتقال تدريجيًا من نموذج يعتمد على التجميع والاستيراد إلى نموذج يقوم على تصنيع المكونات وتطوير سلاسل قيمة محلية قادرة على المنافسة والتصدير.









