السياحة الحموية في الجزائر.. خبراء دوليون يقترحون مسارات جديدة للتطوير والترويج

احتضنت أشغال الملتقى الوطني للسياحة الحموية جلسات علمية ونقاشات متخصصة، عقب الافتتاح الرسمي الذي أشرفت عليه وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، بمشاركة خبراء ومهنيين جزائريين وأجانب، بهدف بحث سبل الارتقاء بهذا النشاط وتحويل المؤهلات الطبيعية للجزائر إلى وجهات سياحية وعلاجية أكثر جاذبية وتنافسية.
واستُهل البرنامج بعرض فيلم مؤسساتي يعرّف بالإمكانات التي تزخر بها الجزائر في مجال السياحة الحموية، قبل أن يقدم المتدخلون قراءات حول واقع القطاع وتحدياته، مع الاستفادة من تجارب دولية في هذا المجال، لاسيما فيتنام وإيطاليا وأذربيجان والصين.
تناولت المداخلات العلمية محاور متعددة، شملت آفاق تطوير السياحة الحموية في الجزائر، وطرق استغلال الموارد المائية الحموية بصورة مستدامة، فضلاً عن دور الترويج السياحي في تعزيز مكانة الوجهة الجزائرية.
وفي هذا السياق، عرضت الدكتورة زاكار خيرة، المتخصصة في السياحة الحموية، واقع القطاع وآفاقه في ضوء جهود الدولة الرامية إلى ترقيته، فيما استعرض سفير فيتنام تجربة بلاده في هذا النشاط السياحي.
كما تطرق جمال لطرش، مدير متابعة الملك العمومي للمياه بالوكالة الوطنية للتسيير المدمج للموارد المائية، إلى سبل تثمين الموارد الحموية، بينما تناول عبد الحميد راوي، المدير العام للديوان الوطني للسياحة، آليات تسويق الوجهة الحموية الجزائرية وبناء صورة سياحية قادرة على استقطاب الزوار.
وشملت المداخلات كذلك تجربة الصين في تطوير المنتجعات الحرارية، قدمها الباحث لي بينغ، إلى جانب بحث مساهمة وكالات السياحة والأسفار في الترويج لهذا النوع من السياحة، بمشاركة مولود يوبي، رئيس الاتحاد الوطني لوكالات السياحة والأسفار.
ومن الجانب الصحي والأخلاقي، شدد الدكتور محمد الطاهر عيساني، رئيس اللجنة الوطنية لأخلاقيات مهنة الطب، على أهمية بناء الثقة في المؤسسات الحموية من خلال احترام المتطلبات العلمية والمسؤولية البيئية وأخلاقيات العلاج. كما قدم الخبيران الدوليان ميكيلي شيركوي من إيطاليا وإميل هدايتلي من أذربيجان رؤى حول إدماج المؤسسات الحموية ضمن عروض الصحة والعافية، وتطوير خدمات العلاج الحراري المتخصص.
وتوزعت النقاشات على ثلاث جلسات حوارية تفاعلية، خُصصت الأولى لبحث كيفية تصميم تجربة سياحية حموية متكاملة تجمع بين العلاج والإقامة والاستكشاف، مع تطوير المسارات السياحية وابتكار أساليب تسويقية تستهدف الأسواق الوطنية والدولية، وإبراز الإمكانات التي تتوفر عليها ولايات الجنوب.
أما الجلسة الثانية، فركزت على تحديث البنى التحتية والتجهيزات داخل المؤسسات الحموية، وتوسيع استخدام الحلول الرقمية، من خلال الحجز الإلكتروني والملفات الحموية الرقمية وتحسين العلاقة مع الزبائن. كما ناقش المشاركون فرص إشراك المؤسسات الناشئة وحاضنات الأعمال في تقديم حلول مبتكرة لتسيير هذه المرافق وتطوير خدماتها.
وخصصت الجلسة الثالثة لموضوع التكوين وتأهيل الموارد البشرية، حيث ناقش الأطباء والمهنيون احتياجات القطاع من الكفاءات المتخصصة، وسبل تطوير البرامج التكوينية بما يتلاءم مع المستجدات العلمية والمهنية ومتطلبات سوق العمل.
وأبرزت المناقشات أن النهوض بالسياحة الحموية لا يرتبط بالموارد الطبيعية وحدها، بل يتطلب أيضًا تحديث المنشآت، وتحسين نوعية الخدمات، وتطوير التكوين، والالتزام بالمعايير الصحية والبيئية والأخلاقية المعتمدة.
وامتدت أشغال الملتقى إلى بحث فرص الربط بين السياحة الحموية والصناعة التقليدية، من خلال تثمين ثقافة الحمام التقليدي باعتبارها مكونًا من مكونات التراث الثقافي والحرفي الجزائري.
وفي هذا الإطار، طُرحت أهمية إدماج المنتجات المحلية، مثل الأدوات النحاسية والزيوت النباتية والعطرية والصابون الطبيعي، ضمن الخدمات والعروض السياحية، بما يدعم الحرفيين ويسهم في إثراء تجربة الزائر وإبراز الخصوصية الثقافية للمناطق الحموية.
كما ناقش المشاركون إمكانية مراجعة الاتفاقيات المبرمة بين المحطات الحموية العمومية التابعة لمجمع فندقة وسياحة وحمامات معدنية والصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية، بهدف توسيع الاستفادة من خدمات هذه المنشآت، وعدم حصر نشاطها في الجانب العلاجي، بل تعزيز أدوارها في الاستجمام والترفيه والسياحة، وفق معايير تسيير وجودة معتمدة دوليًا.
ومن بين المقترحات المطروحة أيضًا إعداد عروض سياحية وتسويقية جديدة تستجيب لاحتياجات العائلات الجزائرية، إلى جانب العمل على تسجيل أحد الحمامات التاريخية العريقة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بما من شأنه دعم حماية الموروث الحموي الوطني والتعريف بقيمته التاريخية والثقافية.
وتعكس مخرجات الملتقى توجهًا نحو بناء منظومة سياحية حموية أكثر تكاملًا، تقوم على تثمين الينابيع الحارة والمعدنية، وتطوير الخدمات والبنية التحتية، وتوسيع الاعتماد على الرقمنة والابتكار، مع الجمع بين العلاج والاستكشاف والإقامة والترفيه، بما يعزز جاذبية الوجهات الجزائرية وقدرتها على المنافسة في الأسواق السياحية.










