من إدارة الاقتصاد الكلي إلى تمويل الابتكار: تكامل السياسات المالية والنقدية في الجزائر

البروفيسور مير احمد
توضح التجربة الجزائرية أن إدارة الاقتصاد الوطني لا تقوم على السياسة المالية أو النقدية بشكل منفصل، بل تعتمد على منظومة مترابطة تشمل الميزانية والضرائب والخزينة والدين العمومي، إلى جانب النقود والائتمان وسوق الصرف والسوق المالية وحركة رؤوس الأموال. ويكتسب هذا التكامل أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل وتوجيه المدخرات نحو الاستثمار والإنتاج والابتكار.
تتولى السياسة المالية إدارة الموارد والنفقات العمومية بهدف دعم النمو والتشغيل وتحقيق التوازنات الاجتماعية والحفاظ على الاستقرار المالي. وتشمل أدواتها الإنفاق العمومي، والجباية، والاقتراض، وإدارة الدين والخزينة، إضافة إلى التحفيزات المالية والجبائية الموجهة للاستثمار. وفي الجزائر، تضطلع وزارة المالية بالدور المركزي في هذا المجال، من خلال هياكل متخصصة تتولى إعداد الميزانية وتنفيذها، وتحصيل الضرائب والرسوم، وإدارة الخزينة والمحاسبة والدين العمومي، فضلاً عن تنفيذ السياسة الجمركية.
أما السياسة النقدية فتركز على الحفاظ على استقرار الأسعار والنقود والائتمان والقطاع المالي. ويحدد القانون النقدي والمصرفي اختصاصات المجلس النقدي والمصرفي وبنك الجزائر في هذا المجال. فالمجلس يمارس الصلاحيات التنظيمية والقرارية المسندة إليه، بينما يتولى بنك الجزائر تنفيذ السياسة النقدية وإدارة السيولة والتدخل في السوق النقدية وتنظيم سوق الصرف. وتتكامل هذه الأدوار مع مهام اللجنة المصرفية المكلفة بمراقبة البنوك والمؤسسات المالية ومكاتب الصرف في حدود القانون.
ولا تقتصر منظومة التمويل على البنوك وحدها، إذ تمثل السوق المالية قناة أخرى لتعبئة المدخرات وتوجيهها نحو المؤسسات، عبر إصدار الأوراق المالية والصناديق والوسطاء والهيئات المتخصصة. وتضطلع لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها «COSOB» بتنظيم سوق القيم المنقولة، وحماية المستثمرين، وتعزيز الشفافية، وضمان حسن سير السوق ضمن نطاق اختصاصها القانوني.
ويبرز رأس المال الاستثماري ورأس المال المخاطر باعتبارهما آليتين مهمتين لتمويل المؤسسات الناشئة والمشاريع المبتكرة. فعلى خلاف القرض البنكي التقليدي، يقوم هذا النوع من التمويل على مساهمة المستثمر في رأس مال المؤسسة وتحمل جزء من مخاطر المشروع مقابل عائد مستقبلي محتمل غير مضمون. وتكمن أهميته في تمويل مشاريع قد لا تتوفر على ضمانات مادية أو تاريخ مالي يسمح لها بالحصول على قرض، لكنها تملك فكرة مبتكرة أو تكنولوجيا أو قابلية عالية للنمو.
وتتمثل القيمة الاقتصادية لهذه المنظومة في قدرتها على ربط البحث العلمي بالابتكار، ثم تحويل النموذج الأولي إلى مشروع قابل للاستثمار، فشركة ناشئة قادرة على النمو والتوسع في السوق. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعزيز التنسيق بين وزارة المالية وبنك الجزائر والهيئات الرقابية والبنوك والسوق المالية وصناديق الاستثمار، إلى جانب توسيع أدوات التمويل وتعميق السوق المالية واحترام الاختصاصات القانونية لكل مؤسسة.
وعليه، فإن التحدي لا يكمن فقط في إنشاء مؤسسات مالية جديدة، بل في بناء منظومة متكاملة تحول المدخرات إلى استثمارات، والمعرفة إلى مؤسسات، والابتكار إلى قيمة مضافة وثروة وفرص عمل. ويمثل هذا التكامل أحد الشروط الأساسية لانتقال الجزائر من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق العمومي والتمويل التقليدي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على إنتاج القيمة.










