الجزائر وعُمان… حين تنتصر الدبلوماسية الصامتة

كتب بلقاسم جبار
في زمن يعلو فيه صخب البنادق على صوت الحكمة، ويُستبدل فيه منطق المصالح المشتركة بخرائط النفوذ والاصطفافات الحادة، تخرج الجزائر وسلطنة عُمان كنموذجين نادرين في الدبلوماسية العربية الهادئة… دبلوماسية لا تتباهى بالصراخ، بل تُبنى على رصيد تاريخي من الاحترام، وعدم التدخل، والتكامل الحقيقي.
زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى الجزائر لم تكن مجرّد بروتوكول رسمي، بل محطة سياسية استراتيجية أعادت ترتيب الأوراق بين بلدين يجمعهما أكثر من مجرّد الجغرافيا أو التبادل التجاري.
لقد عبّرت الزيارة عن توافق نادر في زمن التنافر، وعن إرادة مشتركة لصياغة مستقبل اقتصادي وشراكات مستدامة، بعيداً عن الشعارات الرنانة أو التحالفات الظرفية.
من مشروع الأمونياك في أرزيو إلى إنشاء صندوق استثماري مشترك، ومن توقيع اتفاقيات التعاون إلى مشاركة رمزية في المعارض الدولية… تتضح ملامح شراكة لا تكتفي بتبادل التهاني، بل تبني على أسس اقتصادية صلبة ومصالح متبادلة.
وفي الخلفية، موقف موحّد تجاه القضايا الكبرى، وعلى رأسها المأساة الجارية في غزة، حيث تتقاطع مواقف الجزائر ومسقط في رفض العدوان، والدعوة لحل عادل ودائم.
ما ميّز هذه الزيارة أيضًا، هو صمتها المدروس. لا تهريج إعلامي، لا مزايدات، بل رسائل ناعمة وقوية في آن. رسائل تقول بأن الاعتدال ليس ضعفًا، وأن السيادة ليست خطابة، وأن الوساطة لا تتطلب منصات صاخبة بقدر ما تتطلب رصيدًا من الثقة والحياد.
الرسالة الأوضح التي يمكن قراءتها من هذه الزيارة أن الجزائر وسلطنة عُمان تسعيان لتأسيس محور عربي مختلف… محور لا يؤمن بالمواجهة، بل بالشراكة؛ لا يرفع شعارات التغيير من الخارج، بل يبني ببطء وثقة من الداخل.
محور يُراكم الإنجازات بهدوء، ويراهن على المستقبل، لا على الشعارات العابرة.
إنّها لحظة تستحق التأمل: حين تتلاقى رؤيتان سياديتان في زمنٍ تترنّح فيه السيادات، وتُبنى شراكات واقعية في منطقةٍ تئنّ من التصدعات. في زمن الانقسام، هناك من ما زال يؤمن بالوحدة.
هل نحن أمام نواة توازن جديد في العالم العربي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة. لكن المؤكد أن طريق العقل لا يزال ممكنًا… لمن أراد أن يسلكه.





