أخبار الوطن

الصادرات والسيادة والاستقرار… رسائل تبون في حوار شامل

 

أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أن الجزائر نجحت في تحقيق تحول نوعي في ملف الصادرات خارج قطاع المحروقات، بعدما بلغت قيمتها خمسة مليارات دولار، مقارنة بمستويات لم تكن تتجاوز ملياراً ونصف المليار في سنوات سابقة. واعتبر هذا التطور نقلة غير مسبوقة تعكس بداية تحرر تدريجي من التبعية للريع الطاقوي، في سياق اقتصادي دولي معقد.

غير أن هذا المسار، بحسب الرئيس، لا يخلو من عراقيل، إذ أشار إلى ما وصفه بممارسات غير منصفة تستهدف بعض المنتجات الجزائرية في الأسواق الأوروبية، وعلى رأسها حديد البناء، حيث تُحدد حصص تصدير دورية تُستهلك في فترة وجيزة، رغم حجم المبادلات الكبير بين الجانبين.

وأوضح أن الجزائر طلبت مراجعة هذه الحصص دون التوصل إلى توافق داخل الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن بعض الأطراف تراهن على الضغط الاقتصادي لليّ ذراع الجزائر، وهو ما رفضه بشكل قاطع.

وفي الشق المالي، جدد الرئيس موقف الجزائر الرافض للعودة إلى الاستدانة الخارجية بالشكل التقليدي، مؤكداً أن أي لجوء إلى تمويلات خارجية سيكون موجهاً حصراً لمشاريع اقتصادية ذات مردودية واضحة، ووفق رؤية مدروسة لا تمس بالقرار السيادي.

وضرب مثالاً بتمويل يفوق ثلاثة مليارات دولار من البنك الإفريقي للتنمية مخصص لتوسيع شبكة السكك الحديدية نحو المنيعة وغرداية، بشروط ميسرة وفترة سداد تمتد إلى 13 سنة. وأبرز أن الجزائر، باعتبارها من مؤسسي البنك وأحد أبرز مموليه، تستفيد من آليات دعم تنموي لا تحمل طابع الارتهان، مشدداً على أن مستقبل الأجيال لن يكون رهينة لأي مديونية غير محسوبة.

على صعيد المؤشرات الاقتصادية الداخلية، أشار الرئيس إلى تراجع معدل التضخم من نحو 11 بالمائة سنة 2019 إلى أقل من 1.8 بالمائة حالياً، معتبراً ذلك إنجازاً مهماً في ظل اضطرابات اقتصادية عالمية شهدت ارتفاعات حادة في الأسعار.

وفي الإطار ذاته، عبّر عن رفضه فرض رسوم على استعمال الطريق السيار شرق–غرب في الوقت الراهن، حفاظاً على القدرة الشرائية، خاصة وأنه شريان أساسي لنقل المواد الغذائية بين الولايات. وأكد أن الجزائر ماضية في تكريس طابعها الاجتماعي، عبر تحقيق توازن بين حرية الاستثمار وحماية الفئات ذات الدخل المحدود ضمن مقاربة تضامنية.

وبشأن العلاقات الاقتصادية الدولية، أوضح الرئيس أن الزيارة المرتقبة لرئيسة الحكومة الإيطالية ستشكل محطة لتقييم التعاون الثنائي وتوسيعه، داعياً إلى إنشاء غرفة تجارية مشتركة تعزز المبادلات والاستثمار.

كما أكد اهتمام الجزائر بمخطط “ماتيي” لدعم اقتصادات إفريقيا، مشيراً إلى مشروع فلاحي ضخم في تيميمون تشرف عليه شركة إيطالية على مساحة 35 ألف هكتار، سيفتح المجال لتكوين متربصين من عدة دول إفريقية، في خطوة تعكس توجه الجزائر نحو لعب دور محوري في الربط بين الشراكات الأوروبية والعمق الإفريقي.

الجزائر وقوة الاستقرار الإقليمي

إقليمياً، شدد رئيس الجمهورية على أن الجزائر تواصل أداء دورها كعامل توازن واستقرار في محيطها. ففي ما يتعلق بموريتانيا، وصف العلاقات بأنها أخوية وغير مشروطة، مؤكداً دعم الجزائر في مجالات عدة مع احترام سيادة الشريك.

أما بشأن النيجر، فأعلن عن توجيه دعوة لرئيسها لزيارة الجزائر، معبراً عن تقديره للعلاقات الثنائية. وفي الملف المالي، ذكّر بالتاريخ المشترك، محذراً من أطراف تسعى لاستغلال الأوضاع هناك لأغراض غير مشروعة.

وفي ما يخص ليبيا، أكد أن أمنها من أمن الجزائر، داعياً إلى تمكين الليبيين من تقرير مصيرهم عبر مسار انتخابي يحظى بدعم أممي، مع الإشادة بدور آلية دول الجوار الثلاثية.

تعزيز العلاقات العربية

على المستوى العربي، وصف الرئيس علاقات الجزائر مع مصر بأنها قائمة على عقود من التكامل والدعم المتبادل، مؤكداً رفض أي مساس بأمنها. كما أثنى على مستوى العلاقات مع الكويت والمملكة العربية السعودية، معتبراً إياها علاقات تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، وهو التوصيف نفسه الذي أطلقه بشأن الشراكة مع قطر.

وفي ختام حديثه، أشار إلى محاولات تدخل من طرف جهة خارجية في الشأن الداخلي الجزائري، دون تسميتها، معبراً عن أمله في ألا تندم تلك الجهة على سلوكها، في رسالة تعكس تمسك الجزائر بسيادتها ورفضها لأي وصاية.

بهذه الرسائل المتعددة، رسم رئيس الجمهورية معالم رؤية تقوم على تنويع الاقتصاد، تحصين القرار الوطني، وتكريس دور الجزائر كقوة استقرار في محيط إقليمي سريع التحول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق