أخبار الوطن
القوة الناعمة… حين يضع وزير الاتصال الإطار ويطلب الفعل

كتب بلقاسم جبار
لم تكن الندوة الوطنية حول “القوة الناعمة الجزائرية” مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل بدت كإعلان توجه سياسي وإعلامي واضح يقوده وزير الاتصال زهير بوعمامة نحو إعادة صياغة صورة الجزائر في الداخل والخارج على أسس مدروسة ومنسقة.
الوزير لم يكتفِ بتشخيص الإمكانات، بل وضع الإطار العام لنقاش جدي حول كيفية تحويل التاريخ والثقافة والرياضة والنجاحات الاقتصادية إلى أدوات تأثير حقيقية.
حديثه عن “تعبئة جميع الأطراف” لم يكن شعارًا فضفاضًا، بل رسالة مباشرة بأن ملف الصورة الوطنية لم يعد شأنا قطاعيا ضيقا، بل قضية دولة تتقاطع فيها المسؤوليات بين الإعلام والمثقفين والمجتمع المدني وصناع المحتوى والجالية في الخارج.
ما يميز مقاربة وزير الاتصال هو إدراكه أن القوة الناعمة لا تُبنى بالخطاب فقط، بل بالانسجام بين الإنجاز والرسالة.
فعندما أشار إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الخط المنجمي الغربي غارا جبيلات تندوف بشار، كان يربط بين التنمية الميدانية والسردية الإعلامية، بين الواقع والصورة.
وهذه معادلة أساسية: لا تأثير بلا إنجاز، ولا إنجاز بلا رواية ذكية تواكبه.
الرهان اليوم، كما بدا من مداخلته، هو الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل.
لسنوات، ظلت صورة الجزائر في الخارج رهينة تغطيات ظرفية أو سرديات غير مكتملة. أما الآن، فالمطلوب استراتيجية واضحة المعالم، تُحدد الرسائل، وتختار المنصات، وتستثمر في الكفاءات القادرة على مخاطبة العالم بلغته وأدواته.
وزير الاتصال وضع كذلك الإعلام أمام مسؤولياته. فالقوة الناعمة تبدأ من الداخل: من خطاب مهني متزن، من محتوى نوعي، من قدرة على إبراز قصص النجاح بدل الاكتفاء بعناوين الأزمة. الإعلام ليس مجرد ناقل خبر، بل صانع انطباع ومُشكل وعي.
غير أن التحدي الحقيقي لن يكون في صياغة الوثيقة الاستراتيجية، بل في تحويلها إلى ممارسة يومية.
هل سنرى تنسيقا دائما بين القطاعات؟ هل سيتم تمكين الإعلام من أدوات حديثة للتأثير الرقمي؟ هل ستُستثمر طاقات الجزائريين في الخارج ضمن رؤية مؤسساتية واضحة؟
الوزير فتح الباب، وأطلق النقاش، وأكد وجود إرادة سياسية داعمة. المرحلة المقبلة تتطلب نفسا طويلا، وعملا هادئا ومتواصلا، بعيدا عن الموسمية والارتجال.
القوة الناعمة ليست ترفا فكريا، بل ضرورة في عالم تُصنع فيه المواقف أحيانا بالصورة أكثر مما تُصنع بالتصريحات. وإذا كان وزير الاتصال قد وضع الإطار، فإن نجاح الرهان سيُقاس بمدى قدرتنا جميعا على تحويل هذا الإطار إلى واقع ملموس يليق بحجم الجزائر وتاريخها وطموحها.









