46 ألف مخطوط جزائري تدخل مسار التوثيق والرقمنة

تعمل المكتبة الوطنية الجزائرية على توسيع جهودها لحماية التراث المخطوط وإتاحته للباحثين والجمهور، بعدما أسفرت عملية وطنية للجرد انطلقت سنة 2023 عن إحصاء 46 ألفاً و570 مخطوطاً عبر 585 خزانة موزعة على مختلف مناطق الوطن، في خطوة تستهدف توثيق الذاكرة الثقافية والعلمية الجزائرية والحفاظ على رصيدها المعرفي من الضياع والتلف.
وكشفت بن يحيى فطومة، رئيسة مصلحة المخطوطات والمؤلفات النادرة بالمكتبة الوطنية الجزائرية لوسائل الاعلام ، أن هذه العملية تندرج ضمن مشروع أوسع لتوسيع دائرة التعرف على المجموعات المخطوطة، بما فيها تلك الموجودة لدى العائلات والزوايا والمؤسسات الثقافية والعلمية، مؤكدة أن العمل لم يعد مقتصراً على حفظ الوثائق داخل المؤسسات المتخصصة، بل أصبح يركز أيضاً على التعريف بها وتقريبها من مختلف فئات المجتمع.
وأوضحت المتحدثة، في تصريح على هامش الطبعة الـ29 لمعرض الجزائر الدولي للكتاب «سيلا 2026»، أن الاهتمام بالمخطوطات عرف تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث التكوين المتخصص أو عمليات الفهرسة والرقمنة، مشيرة إلى أن سنة 2016 شكلت منعطفاً في هذا المسار، مع تنظيم المكتبة الوطنية أول دورة تكوينية متخصصة في تحقيق المخطوطات، بمشاركة 91 باحثاً خلال يومين، بمناسبة شهر التراث.
وأضافت أن تلك المبادرة ساهمت في توسيع الاهتمام بهذا المجال خارج الأوساط الجامعية، ودفعت مؤسسات أخرى إلى تنظيم دورات مماثلة، الأمر الذي ساعد على نشر ثقافة التعامل العلمي مع المخطوطات وتعزيز الوعي بأهميتها التاريخية والحضارية.
وفي سياق التعريف بهذا الموروث، أشارت بن يحيى إلى الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام في تقريب المخطوطات من الجمهور، مستشهدة ببرنامج «حكاية مخطوط» الذي تبثه الإذاعة الثقافية منذ نهاية سنة 2020، والذي تمكن من إنتاج نحو 100 حصة تناولت تاريخ عدد من المخطوطات، وظروف كتابتها وانتقالها بين الأفراد والمؤسسات، والأماكن التي وصلت منها إلى المكتبة الوطنية.
ولفتت إلى أن دراسة المخطوط لا تتوقف عند قراءة محتواه، وإنما تشمل كذلك خصائصه المادية والتاريخية، مثل نوع الورق والتجليد والزخارف، وهوية مالكيه السابقين والمسارات التي قطعها عبر الزمن، وهي جوانب تدخل ضمن اختصاص علم المخطوطات المعروف بـ«الكوديكولوجيا»، الذي لا يزال، بحسبها، بحاجة إلى تعزيز حضوره في التكوين الجامعي المتخصص بالجزائر.
وعلى مستوى التحديث التكنولوجي، تعمل المكتبة الوطنية على تطوير أدوات رقمية تسمح بتسهيل الوصول إلى هذا الرصيد، حيث كشفت المتحدثة عن إطلاق منصة للمخطوطات والكتب النادرة، إلى جانب خارطة رقمية للمخطوطات الجزائرية عُرضت خلال ملتقى دولي نظم في شهر جوان الماضي، وتتيح للباحثين التعرف على توزيع المخطوطات حسب الولايات والخزائن التي تحتفظ بها، والاطلاع على بطاقاتها الفنية وبياناتها الأساسية.
ولا تقتصر هذه الخارطة على المجموعات الموجودة داخل الجزائر، بل تمتد إلى المخطوطات الجزائرية المحفوظة في مؤسسات ومراكز بحثية خارج الوطن، من بينها مؤسسات في مصر وموسكو وتركيا واليابان، بما يوفر رؤية أوسع عن الانتشار الجغرافي لهذا التراث وإمكانيات دراسته وتوثيقه.
كما أشارت المسؤولة إلى أن المكتبة الوطنية تواصل جهود الرقمنة التي شرعت فيها منذ سنة 2001، بهدف حماية مجموعاتها وتوفير نسخ رقمية تسهل الاستفادة منها، فضلاً عن تنظيم لقاءات وندوات تحسيسية عبر الولايات لتشجيع أصحاب الخزائن الخاصة على المشاركة في عمليات الجرد والتوثيق والمحافظة على الوثائق القديمة.
ومن جهة أخرى، أبرزت بن يحيى فطومة أن مشاركة المكتبة الوطنية في معرض الجزائر الدولي للكتاب لهذه السنة عكست اهتماماً متنامياً بالمخطوطات لدى الزوار، حيث خصصت المؤسسة، لأول مرة، جناحاً لهذا التراث طوال عشرة أيام، بعدما كانت مشاركات المصلحة تقتصر عادة على يوم واحد، بسبب متطلبات الحفظ والحماية التي تفرضها طبيعة هذه الوثائق.
وسجل الجناح، وفق المتحدثة، حضوراً لافتاً للعائلات ومختلف الفئات العمرية، لاسيما كبار السن الذين حرص بعضهم على اصطحاب أحفادهم للتعرف على وسائل التعليم القديمة، من ألواح خشبية وأقلام تقليدية ومحابر، في مبادرة أعادت ربط الأجيال الجديدة بالممارسات التعليمية التي عرفتها الزوايا والمدارس القرآنية في فترات سابقة.




