رئيس محكمة رأس الوادي مراطلة ناجي: الأمن القانوني ركيزة أساسية لجذب الاستثمار والتنمية الاقتصادية

أكد رئيس محكمة رأس الوادي، السيد مراطلة ناجي، اليوم الاربعاء بولاية برج بوعريريج، أن الأمن القانوني يشكل حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستقر وجاذب للاستثمار، ويمثل في الوقت ذاته ضمانة أساسية لترسيخ دولة القانون وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة.
وجاءت هذه المداخلة خلال ندوة علمية حملت عنوان “الأمن القانوني وأثره على التنمية الاقتصادية”، حيث
شدد المتدخل على أن استقرار القواعد القانونية ووضوحها يمثلان شرطا أساسيا لخلق مناخ أعمال آمن، يسمح للمستثمرين المحليين والأجانب باتخاذ قرارات اقتصادية مبنية على الثقة واليقين القانوني.
وأوضح السيد مراطلة ناجي أن فكرة الأمن القانوني ليست مجرد مبدأ نظري، بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى حماية المراكز القانونية للأفراد والمؤسسات، وضمان عدم تعرضها لتغيرات مفاجئة أو غير متوقعة في التشريع، بما يحقق نوعا من الطمأنينة والاستقرار في المعاملات الاقتصادية.
وأضاف أن هذا المبدأ ارتبط عبر تطوره التاريخي بعدة أنظمة قانونية، حيث رسخته التجربة الألمانية منذ ستينيات القرن الماضي من خلال القضاء الدستوري، كما تبنته الدساتير الأوروبية، خاصة الدستور الإسباني لسنة 1978 الذي نص صراحة على مبدأ الأمن القانوني ضمن المبادئ الدستورية الأساسية، إلى جانب الاجتهادات القضائية لمحكمة العدل الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أكدت بدورها على أهمية الثقة المشروعة واستقرار القاعدة القانونية.
وفي الشق المتعلق بالمنظومة الجزائرية، أبرز المتدخل أن المشرع الجزائري عمل في السنوات الأخيرة على إدراج الأمن القانوني ضمن توجهاته الإصلاحية، خصوصا في مجال الاستثمار، من خلال القانون 22-18 المتعلق بالاستثمار، الذي جاء بجملة من الضمانات القانونية الهادفة إلى تحسين مناخ الأعمال وجذب رؤوس الأموال.
وأشار في هذا السياق إلى أن من أهم هذه الضمانات مبدأ الثبات التشريعي، الذي يهدف إلى حماية المستثمر من التغيرات اللاحقة في القوانين التي قد تمس بمراكزهم القانونية، حيث تنص بعض الأحكام على عدم تطبيق التعديلات التشريعية بأثر رجعي على الاستثمارات المنجزة، إلا إذا طلب المستثمر ذلك صراحة، وهو ما يعزز الثقة بين الدولة والمستثمر.
كما تطرق إلى مبدأ عدم المساس بالعقود الاستثمارية، باعتباره إحدى الآليات الجوهرية لترسيخ الأمن القانوني، حيث تلتزم الدولة بعدم تعديل التوازن العقدي بإرادتها المنفردة، بما يضمن استقرار العلاقة التعاقدية ويحد من المخاطر القانونية التي قد تواجه المستثمر.
وفي سياق متصل، أشار السيد مراطلة ناجي إلى أن المشرع عمل كذلك على تعزيز الأمن القانوني من خلال تنظيم قوانين المالية ومنع ما يعرف بـ”فرسان الميزانية”، وهو ما يهدف إلى تفادي إدراج أحكام غير مرتبطة مباشرة بموضوع قوانين المالية، بما يحافظ على وضوح المنظومة التشريعية ويمنع المفاجآت القانونية.
كما أبرز أن الأمن القانوني يساهم بشكل مباشر في تقليل المخاطر الاستثمارية، حيث يعتمد المستثمر قبل إطلاق أي مشروع على دراسات جدوى دقيقة تأخذ بعين الاعتبار استقرار الإطار القانوني، وهو ما يجعل وضوح القاعدة القانونية عاملا حاسما في اتخاذ القرار الاقتصادي.
وفي محور آخر من المداخلة، تناول رئيس محكمة رأس الوادي مسألة حماية المسيرين الاقتصاديين، حيث أكد أن الإصلاحات القانونية الأخيرة اتجهت نحو إعادة التوازن بين مكافحة الفساد وحماية المبادرة الاقتصادية، من خلال التمييز بين الخطأ في التسيير وسوء النية، وعدم اللجوء إلى المتابعة الجزائية إلا في حالات محددة وواضحة.
وأوضح أن التعديلات التي مست قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية تهدف إلى تقليص ما وصفه بـ”فوبيا المتابعة” لدى المسيرين، عبر اشتراط شكوى مسبقة في بعض الحالات، واستشارة الجهات الوصية قبل تحريك الدعوى العمومية، بما يضمن حماية المسؤول النزيه وتشجيعه على اتخاذ قرارات اقتصادية جريئة.
وختم السيد مراطلة ناجي مداخلته بالتأكيد على أن ترسيخ الأمن القانوني في الجزائر يتطلب مواصلة الجهود التشريعية والمؤسساتية، مع ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الاستثمار وضمان المصلحة الوطنية، باعتبار أن التنمية الاقتصادية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل منظومة قانونية مستقرة وواضحة وفعالة.





