أخبار الوطن

إفريقيا تكتب ذاكرتها من جديد

كتب بلقاسم جبار

لم تعد القارة الإفريقية تقبل دور الضحية الصامتة. هذا ما يمكن قراءته بوضوح من بين سطور كلمة وزير الخارجية أحمد عطاف في افتتاح المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا. فالكلام هذه المرة لم يكن دبلوماسيًا محايدًا، بل كان موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا يضع النقاط على الحروف ويهزّ ما تبقى من صمت العالم أمام أكثر الصفحات سوادًا في التاريخ الحديث.

إفريقيا لا تطالب بالمستحيل. كل ما تريده هو اعتراف صريح بما ارتُكب فوق أراضيها من قتل ونهب وإبادة ثقافية. اعتراف لا يرمم الماضي، لكنه يؤسس لعلاقة متوازنة مع الحاضر ويمنح أبناء القارة حقًا بسيطًا: أن تُروى حكايتهم كما عاشوها هم، لا كما كتبها المستعمر.

ولعلّ ما يلفت في خطاب عطاف هو هذا الربط بين الذاكرة والنضال. فالاستعمار بالنسبة لإفريقيا ليس مجرد صفحة تاريخية تُطوى، بل جرح لم يندمل، وجدارًا ما زال يحجب عنها مكانتها الطبيعية في العالم. وعندما تقول القارة إن الاعتراف هو الخطوة الأولى، فهي لا تبالغ. الاعتراف ليس اعتذارًا، بل تحمّل مسؤولية، واستعداد لمواجهة الحقيقة دون رتوش.

الجزائر نموذج صارخ لهذا التاريخ المعقّد. بلدٌ حاول المستعمر أن يمحو هويته من الجذور، وأن يعيد تشكيله وفق منطق القوة لا منطق الحق. ومع ذلك، نهضت الجزائر من تحت الركام بحرب تحرير صنعت مدرسة، وبذاكرة لا تزال تقاوم التزييف حتى اليوم. يكفي أن الصحراء ما زالت تحمل وجع التجارب النووية ليُدرك العالم أن الاستعمار ليس قصة قديمة، بل واقع تتوارثه الأجيال.

وفي العمق، يوجه هذا المؤتمر رسالة مزدوجة: الأولى لمن يعتقد أن الزمن كفيل بإطفاء ذاكرة الشعوب، والثانية للعالم الذي يتحدث عن العدالة بينما يتجاهل أبسط آلياتها. إفريقيا اليوم ليست تلك القارة التي تُدار بالوصاية، بل فضاء يطالب بحقه في الإنصاف وجبر الضرر، مثلما فعلت شعوب أخرى نالت اعترافًا وتعويضات عن مآسٍ مشابهة.

وفي خضم هذه المعركة الأخلاقية، لا يمكن فصل المطالبة بالعدالة التاريخية عن القضايا العادلة التي لا تزال مفتوحة، من الصحراء الغربية إلى فلسطين. فالظلم، كما يقول التاريخ، لا يموت بالتقادم، والحرية لا تُجزأ.

إن ما حدث في الجزائر، وما حدث في إفريقيا، ليس مجرد ذاكرة. إنه مادة أولى لوعي جديد، ووقود لمعركة طويلة عنوانها: “لن نسمح بتكميم التاريخ مرّة أخرى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق