أخبار ثقافية
«المعلقة الخنشلية».. جمال تلية يكتب ملحمة شعرية في عشق خنشلة والأوراس

جادت نيوز – قسم الثقافة
في نص شعري يفيض اعتزازًا بالأرض والتاريخ والهوية، كتب الأستاذ جمال تلية قصيدته الموسومة بـ«المعلقة الخنشلية.. قبلة الثوار ومحراب الأولياء»، مستحضرًا من خلالها صفحات مشرقة من تاريخ خنشلة والأوراس، وذاكرة الثورة الجزائرية، وملامح التراث والهوية الشاوية.
وتنقل القصيدة القارئ بين محطات تاريخية وروحية وجغرافية متعددة، بدءًا من دِيهيا والأوراس، مرورًا بالفتوحات الإسلامية، وصولًا إلى الثورة التحريرية ورموزها، وفي مقدمتهم الشهيد عباس لغرور ورفاقه، قبل أن يحتفي الشاعر بجمال جبال شيليا وغابات الأرز ومياه المنطقة ومقامات الصالحين.
ولا تتوقف «المعلقة الخنشلية» عند التاريخ والطبيعة، بل تتناول أيضًا قيم الكرم والشجاعة والفروسية والوفاء بالعهد والاعتزاز بالانتماء، وهي القيم التي يراها الشاعر جزءًا من شخصية الإنسان الخنشلي والشاوي.
ومن خلال لغة شعرية تقوم على الفخر والاعتزاز، يقدم جمال تلية خنشلة بوصفها أكثر من مجرد مكان؛ إنها ذاكرة وهوية وتاريخ حي، تختزن في جبالها وأرضها حكايات المقاومة والثورة والعلم والصلاح.
ويقول الشاعر في مطلع قصيدته:
سَجَدَ الْبَيَانُ، وَسُكِّتَتْ أَشْعَارُ
فِي خَنْشَلَةْ تَتَكَلَّمُ الْأَحْجَارُ!
ويختصر هذا المطلع روح القصيدة، التي أراد صاحبها أن يجعل منها شهادة شعرية في حق مدينة ارتبط اسمها بتاريخ الأوراس والثورة الجزائرية، وفي الوقت نفسه مساحة للتعبير عن الحنين والانتماء والفخر بالجذور.
وفي ختام العمل، يعود الشاعر إلى علاقته الشخصية بالأرض، مؤكدًا تجذره في خنشلة واعتزازه بانتمائه الشاوي، ليختم قصيدته بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
«المعلقة الخنشلية.. قبلة الثوار ومحراب الأولياء»
بقلم الأستاذ جمال تلية
سَجَدَ الْبَيَانُ، وَسُكِّتَتْ أَشْعَارُ
فِي خَنْشَلَةْ تَتَكَلَّمُ الْأَحْجَارُ!
مَاسْكُولَةُ التَّارِيخِ، سِرٌّ ضَارِبٌ
وَأَمِيرَةُ الْأَوْرَاسِ فِيهَا الدَّارُ
مِنْ عَهْدِ دِيهْيَا شَامِخَاتٌ رُوسُهَا
مَا دَنَّسَتْ طُهْرَ الْعَرِينِ تَتَارُ!
حَرَسَتْ ثُغُورَ الدِّينِ فِي بُكْرَاتِهَا
وَبِسَيْفِهَا قَدْ حُمِّيَتْ أَمْصَارُ!
نَزَلَ الْفَوَاتِحُ بِالْيَقِينِ فَهَلَّلَتْ
قِمَمُ الْجِبَالِ، وَسَبَّحَتْ أَحْجَارُ!
لَمْ يَدْخُلُوا زَهْواً بِحَدِّ صَوَارِمٍ
لَكِنَّ نُورَ عَقِيدَةٍ مِدْرَارُ!
بِالْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ قَدْ فَتَحُوا النُّهَى
قَبْلَ الْقِلَاعِ، فَزَالَتِ الْأَوْزَارُ!
قَوْمُ الْأَمَازِيغِ الْحُمَاةُ لِدِينِهِمْ
مِنْ عَهْدِ عُقْبَةَ مَا عَلَيْهِمْ عَارُ!
حَمَلُوا رِسَالَةَ أَحْمَدٍ فِي صَدْرِهِمْ
فَبِسَيْفِهِمْ تَتَحَصَّنُ الْأَمْصَارُ!
سِحْرٌ تَخَطَّفَ لِلْعُيُونِ بَهَاؤُهُ
قَبْلَ الْقُلُوبِ، فَتُسْلَبُ الْأَبْصَارُ!
فِي شِيلِيَا عَانَقْتُ غَيْمَةَ صُوفِيٍ
وَشَذَى مِيَاهِ الصَّالِحِينَ مَزَارُ
غَابَاتُ أَرْزٍ فِي الشَّوَامِخِ سُبَّحٌ
تُتْلَى بِهَا، عِنْدَ الْغُرُوبِ، أَذْكَارُ
جَنَّاتُ عَدْنٍ فِي الْجَزَائِرِ زُمِّلَتْ
بِالْحُسْنِ.. تَخْجَلُ دُونَهُ الْأَزْهَارُ!
مِنْ هَاهُنَا نَطَقَ الرَّصَاصُ مُكَبِّراً
نُوفَمْبَرٌ شَمْسٌ هُنَا، وَنَهَارُ!
مَهْدُ انْدِلَاعِ الثَّوْرَةِ الْكُبْرَى الَّتِي
رَكَعَ لِهَوْلِ جَحِيمِهَا اسْتِعْمَارُ!
عَبَّاسُ لَغْرُورٌ بِهَا وَرِفَاقُهُ
أُسْدُ الشَّرَى، لِعَدُوِّهِمْ قَهَّارُ!
وَحُسَيْنُنَا تَرَكَ الدِّمَاءَ وَثِيقَةً
صَنَعُوا الْمَلَاحِمَ، وَالدِّمَاءُ حِوَارُ!
أَجْبَالُهَا، مَقْبَرَةُ كُلِّ مُكَابِرٍ
وَرِجَالُهَا فِي النَّائِبَاتِ نَارُ!
وَالْبَارُودُ فِي الْأَعْرَاسِ نَبْضُ قُلُوبِنَا
يَحْدُو الْمَحَافِلَ، وَالسَّمَاءُ غُبَارُ!
وَالْبُنْدُقِيَّةُ فِي رِكَابِ شُيُوخِنَا
تُزْجِي التَّحِيَّةَ، نَارُهَا نَوَّارُ!
فِينَا الْأَصَالَةُ، وَالْأَنَافَةُ شِيمَةٌ
وَالْكِبْرِيَاءُ عَقِيدَةٌ وَدِثَارُ!
نَهْوَى الصَّهِيلَ، إِذَا الْمَحَافِلُ زُيِّنَتْ
وَلَنَا الصَّدَارَةُ دَائِماً وَالْغَارُ!
خَيْلٌ تَجُولُ بِـ خَنْشَلَةْ فِي زِينَةٍ
تَخْتَالُ فِخْراً، وَالرِّجَالُ كِبَارُ!
قَوْمٌ شِدَادٌ لَا يَلِينُ قَنَاتُهُمْ
لَمْ يَنْحَنُوا، إِلَّا لِرَبٍّ جَبَّارُ!
صَعْبُ الْمِرَاسِ عَلَى الْعِدَا، لَكِنَّهُمْ
لِلضَّيْفِ غَيْثٌ هَاطِلٌ، وَثِمَارُ
مُؤْتَمَنُونَ عَلَى الْعُهُودِ، رِجَالُهُمْ
مَا خَانَ فِيهِمْ عَهْدَهُ سِمْسَارُ!
أَهْلُ الْأَنَافَةِ وَالرُّجُولَةِ بِالْفِطَرْ
وَتَوَاضُعُ الْفُرْسَانِ فِيهِمْ غَارُ!
عُلَمَاؤُهُمْ بَحْرٌ خِضَمٌّ هَادِرٌ
وَصَلَاحُهُمْ لِلْحَائِرِينَ مَنَارُ
أَهْلُ الْكَرَامَةِ، وَالْوِلَايَةِ، وَالتُّقَى
مِنْ نُورِهِمْ تَتَوَقَّدُ الْأَفْكَارُ
سِرٌّ دَفِينٌ، وَالْيَقِينُ شِعَارُ!
قَلْبٌ أَمِينٌ، لِلْهُدَى هُوَ دَارُ!
عَهْدٌ مَتِينٌ، وَالْكَرَامَةُ سُؤْدَدٌ
غَوْثٌ مُبِينٌ، لِلظَّلَامِ نَهَارُ!
مَجْدٌ أَصِيلٌ، لَا يُضَامُ عَزِيزُهُ
عِزٌّ مَكِينٌ، مَا عَلَيْهِ غُبَارُ!
أَنَا مِنْ تُرَابِكِ خَنْشَلَةْ مُتَجَذِّرٌ
بِـ أَنْسِيغَةَ الْأَمْجَادِ طَابَ قَرَارُ!
جَمَالٌ سَلِيلُ الطَّاهِرِينَ صَحِيفَتِي
تَلِّيَةٌ، طَارَتْ بِهِ الْأَشْعَارُ
مِنْ عَرْشِ سِي مُوسَى نَسَجْتُ قَصِيدَتِي
وَبِكُلِّ شَاوِيٍّ يَحِقُّ فَخَارُ!
فِي صَيْفِ أَلْفَيْنِ ازْدَهَى مَعَ تِسْعَةٍ
خُطَّتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ ذِي الْأَسْطَارُ!
يَا أَرْضَ خَنْشَلَةَ الْأَبِيَّةِ فَاسْلَمِي
مَا غَرَّدَتْ فِي فَجْرِكِ الْأَطْيَارُ!
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا طَهَ الرِّضَا
مَا حَنَّ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ زُوَّارُ!










