حين تتحول حرية التعبير إلى إساءة للمقدسات

كتب بلقاسم جبار
هناك فرق كبير بين أن نختلف في الرأي، وأن نحول الاختلاف إلى إساءة، وبين أن نمارس حرية التعبير وأن نستعملها ذريعة للتطاول على الرموز والمقدسات.
ما حدث في الشلف، وفق ما أعلنته مصالح الشرطة، من بث عبارات مسيئة إلى الرسول ﷺ عبر منصة «تيك توك»، أمر لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد محتوى عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. إنه سلوك مستفز ومرفوض، ويمس مشاعر ملايين الجزائريين الذين يكنّون للنبي محمد ﷺ مكانة عظيمة في وجدانهم ودينهم.
نحن ندين هذا الفعل بكل وضوح، ونرفض أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء للفوضى الأخلاقية أو الاستفزاز المتعمد أو الإساءة إلى المعتقدات الدينية.
والقضية هنا ليست قضية شخص بعينه، ولا ينبغي أن تتحول إلى حملة تشهير أو انتقام خارج إطار القانون. فالعدالة وحدها هي التي تحدد المسؤوليات، والمشتبه فيه يظل مستفيدًا من قرينة البراءة إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
لكن في الوقت نفسه، فإن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني منح أحد رخصة للإساءة. الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا، والكلمة التي تُقال أمام آلاف المتابعين ليست مجرد كلمة؛ قد تتحول إلى فتنة أو استفزاز أو جرح عميق لمشاعر الناس.
الأخطر من ذلك أن بعض مستخدمي مواقع التواصل باتوا يبحثون عن المشاهدات والتفاعل بأي طريقة، حتى لو كان الثمن تجاوز الخطوط الحمراء للدين والأخلاق. وهنا يجب أن نسأل: إلى أين نريد أن تصل بنا هذه المنافسة على «الترند»؟
هل أصبح الحصول على آلاف المشاهدات أهم من احترام عقيدة الناس؟ وهل أصبحت الإساءة وسيلة لصناعة الشهرة؟
إن منصات التواصل تحتاج إلى وعي أكبر من مستخدميها، وإلى إدراك بأن العالم الافتراضي ليس منطقة خارج القانون، وأن ما يُنشر عبره يمكن أن يترتب عليه أثر قانوني واجتماعي حقيقي.
وفي الجزائر، حيث يشكل الدين جزءًا أساسيًا من هوية المجتمع ووجدانه، فإن احترام المقدسات ليس تفصيلًا هامشيًا يمكن الاستهزاء به من أجل صناعة محتوى مثير.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الصراخ على منصات التواصل، بل إلى مزيد من الأخلاق. ولسنا بحاجة إلى محتوى يصنع الشهرة بالإساءة، بل إلى محتوى يصنع الوعي.
فالكلمة مسؤولية، والحرية مسؤولية، ومن أراد أن يخاطب الناس فليتذكر دائمًا أن وراء كل شاشة إنسانًا له عقيدة ومشاعر وكرامة تستحق الاحترام.









