كتب بلقاسم جبار (دكتوراه فخرية)
في سياق الزيارات الرسمية التي تشهدها ولاية برج بوعريريج لإحياء الذكرى الحادية والثمانين لليوم الوطني للذاكرة، تعود إلى الواجهة مسألة حضور فضاءات الذاكرة داخل البرامج الميدانية، وكيفية توزيع محطات التوقف بين المواقع ذات الطابع الرمزي والتاريخي داخل نفس الإقليم.
مقبرة الشهداء بغيلاسة، التي تضم 545 شهيدًا مدفونًا قدموا من مختلف مناطق الوطن، تُعد من أكبر الفضاءات التذكارية على مستوى ولاية برج بوعريريج، وهو ما يمنحها بعدًا وطنيًا جامعًا يعكس وحدة الدم والمصير خلال الثورة التحريرية. غير أن هذا الثقل الرمزي لا ينعكس دائمًا بشكل متوازن في البرمجة الميدانية للفعاليات الوطنية.
وتزداد أهمية هذا الفضاء بالنظر إلى محيطه التاريخي، حيث شهدت المنطقة معركة تافرت، كما تقع بالقرب منها بلدية تلقيت التي ارتبط اسمها بمعركة قرن
الكبش، إضافة إلى بلدية تقلعيت المجاورة التابعة لنفس دائرة برج الغدير، والتي شكلت بدورها مسرحًا لعمليات نضالية خلال الثورة التحريرية. هذا التشابك الجغرافي بين الذاكرة والميدان يعزز من رمزية المنطقة ككل، وليس كموقع معزول.
وتطرح هذه المعادلة سؤالًا يتجاوز المكان الواحد إلى الإطار العام: وفق أي منطق يتم تحديد محطات الذاكرة داخل الولاية الواحدة؟ هل يتعلق الأمر باعتبارات تنظيمية بحتة، أم أن هناك مساحة أوسع لإدماج مختلف الفضاءات التي تحمل دلالات تاريخية متقاربة في القيمة والرمزية؟
البرنامج الرسمي لزيارة وزير المجاهدين وذوي الحقوق إلى برج بوعريريج، والذي يشمل محطات محددة في كل من حمام البيبان وأولاد ابراهم، يعكس الطابع التنظيمي الطبيعي لأي برنامج ميداني، لكنه في المقابل يعيد فتح النقاش حول ضرورة الموازنة بين مقتضيات التنظيم العملي والامتداد الرمزي للذاكرة المحلية.
فالذاكرة الوطنية لا تُقاس فقط بحجم الموقع أو عدد الشهداء المدفونين فيه، بل أيضًا بمدى حضوره في الفعل الرمزي الرسمي الذي يعيد ربط الأجيال الحالية بجغرافيا التضحية. ومن هنا، يصبح إدماج مختلف الفضاءات التذكارية المتصلة تاريخيًا وجغرافيًا، مسألة مرتبطة برؤية شاملة لإدارة الذاكرة، لا بمجرد رزنامة مناسبات.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا حول كيفية تحقيق توازن أدق بين الرمزية التاريخية للمواقع وبين تمثيلها الفعلي داخل البرامج الرسمية، بما يعزز حضور الذاكرة الوطنية في كامل امتدادها الجغرافي والإنساني.