أخبار الوطن
قانون الذاكرة… حين تستعيد الجزائر صوتها السيادي

كتب بلقاسم جبار
لم يكن التصويت على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي حدثًا تشريعيًا عابرًا، ولا خطوة رمزية للاستهلاك السياسي، بل لحظة فاصلة أعادت فيها الدولة الجزائرية ترتيب علاقتها مع ذاكرتها، ومع تاريخ طال العبث به، داخليًا وخارجيًا.
طوال سنوات، ظل ملف الذاكرة مؤجلاً، يُستحضر في المناسبات ويُطوى عند أول اختبار سياسي أو دبلوماسي.
غير أن المصادقة على هذا القانون كسرت هذا المنطق، ونقلت الذاكرة من خانة الخطاب إلى خانة القرار السيادي، ومن موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.
الأهمية الحقيقية لهذا القانون لا تكمن فقط في إدانة ماضٍ استعماري دموي، بل في تثبيت قاعدة سياسية واضحة مفادها أن الجزائر لم تعد تقبل أن تكون ذاكرتها محل تفاوض أو تأويل أو مقايضة.
فالدول التي لا تحسم في تاريخها، تُجبر لاحقًا على التنازل في حاضرها.
ولعل ما يمنح هذا القانون ثقله هو توقيته وسياقه. فقد جاء في مرحلة تعيد فيها الجزائر بناء خطابها الخارجي على أساس الندية، وتحرير قرارها السياسي من حسابات الإرضاء، وتثبيت موقعها كدولة نابعة من حركة تحرر لا من منحة استعمارية.
هذا القانون لا يستهدف شعبًا، ولا يفتح باب القطيعة، بل يضع العلاقة في إطارها الصحيح: اعتراف بالحقيقة قبل أي حديث عن المصالحة، ومسؤولية تاريخية قبل أي شراكة مستقبلية. فالتاريخ لا يُغلق بالإنكار، بل بالمواجهة الصادقة.
كما أن للخطوة بعدًا يتجاوز الداخل، إذ تعيد الجزائر من خلالها تأكيد اصطفافها الطبيعي إلى جانب قضايا التحرر ورفض الاحتلال، ليس من باب الشعارات، بل من منطلق التجربة والمعاناة. من ذاق الاستعمار لا يمكنه تبرير نسخ جديدة منه، مهما اختلفت المسميات.
اللافت أيضًا أن هذا القانون أعاد للذاكرة بعدها الجامع، بعد محاولات متكررة لتسييسها أو تجزئتها أو اختزالها في مناسبات بروتوكولية.
اليوم، الذاكرة تتحول إلى عنصر قوة وطنية، وإلى مرجعية تضبط السلوك السياسي داخليًا وخارجيًا.
إن المصادقة على قانون تجريم الاستعمار ليست نهاية المسار، بل بدايته. بداية معركة وعي، وتحصين للأجيال، وتثبيت لخط أحمر اسمه التاريخ الوطني.
فالجزائر التي حررت أرضها بالسلاح، تحرر اليوم روايتها بالقانون، وتكتب فصلًا جديدًا من فصول السيادة.




