أخبار الوطن

السياسة الخارجية الجزائرية.. سيادة القرار فوق كل مزايدات

كتب بلقاسم جبار

لم يعد خافيًا أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة من رسوخ القرار الوطني، مرحلة لم يعد فيها مجال للمناورات أو لأساليب التشويش التي خبرها الجزائريون في سنوات الشدة.

فالدولة التي استعادت كامل سيادتها لم تعد تقبل بأن تُجرّ سياستها الخارجية إلى ساحة المزايدات أو الحسابات الحزبية الضيقة، لأن هذا الملف بالذات هو أحد أعمدة الأمن القومي، وليس مجرد ورقة للاستهلاك السياسي.

إن من يهاجم الدبلوماسية الجزائرية اليوم، أو يشكك في موقفها من القضية الفلسطينية، يتجاهل عمداً مرجعية الدستور الذي جعل من رئيس الجمهورية صاحب الكلمة الفصل في رسم توجهات السياسة الخارجية، ومن السلك الدبلوماسي جهازًا مكلفًا بتنفيذ تلك التوجهات بدقة ومسؤولية.

هذا ليس رأياً سياسياً، بل هو نص واضح يحدد شكل الدولة وكيفية اشتغال مؤسساتها.

وليس سراً أن الجزائر، في مجلس الأمن أو خارجه، لم تغيّر موقفها من فلسطين يوماً. فهي الدولة التي تساند الشعب الفلسطيني قبل أن تُخلق الاصطفافات الراهنة، وهي التي دفعت ثمناً باهظاً لرفضها التنازل في ملفات سيادية، وما تزال تعتبر القضية الفلسطينية مسألة مبدأ وليست قضية ظرف.

لذلك، فإن تحميل الدبلوماسية الجزائرية ما ليس فيها، أو تصوير مواقفها على أنها خاضعة لحسابات أو مقايضات، هو في حد ذاته محاولة لزرع الشك داخل الرأي العام، وتحوير النقاش من جوهره الوطني إلى زوايا جانبية لا تخدم سوى أصحابها.

إن السياسة الخارجية ليست ساحة مفتوحة لتجارب الهواة، ولا فضاءً متاحًا لمن يريد اختبار قدرته على خلق الضجة.

هو قرار سيادي يستند إلى الشرعية الدستورية وتجربة الدولة وذاكرة شعب يعرف جيداً ثمن الفوضى وأثمان التلاعب. ومن يحاول اليوم تسييس ملف فلسطيني بوزن ما يحدث في غزة، إنما يرتكب خطأً فادحاً، لأن هذه القضية بالذات أكبر من كل الحملات، وأسمى من كل الحسابات.

المطلوب اليوم هو أن يُترك للدبلوماسية الجزائرية فضاؤها الطبيعي كي تشتغل وفق ما يمليه عليها القانون ومصلحة البلاد، وأن يُفهم أن الدولة القوية لا تنجر إلى ردود الأفعال ولا تسمح للضغوط الكبرى أو الصغرى بأن تزيغ بوصلتها. لقد قال الشعب كلمته قبل عقود: السيادة لا تُجزّأ، والدولة لا تُدار بالهتاف، والملفات الكبرى لا تُترك للصدفة.

هذا هو الدرس، وهذه هي الرسالة. الدولة الجزائرية اليوم دولة قرار، لا دولة رد فعل. وهذه وحدها مكسب لا يقدّر بثمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق