تتجه السلطات الجبائية في الجزائر نحو توسيع نطاق الرقابة ليشمل الأنشطة الاقتصادية التي تتم عبر المنصات الرقمية، في خطوة تستهدف الكشف عن المداخيل غير المصرح بها ومواكبة التحولات التي يشهدها سوق الإشهار الإلكتروني، الذي أصبح يستقطب أعدادًا متزايدة من الشركات والمؤسسات الباحثة عن قنوات جديدة للترويج لمنتجاتها وخدماتها.
ويأتي هذا التوجه ضمن المادة 79 من مشروع قانون المالية لسنة 2027، التي تقترح منح الإدارة الجبائية إمكانية جمع المعلومات المتاحة للعموم عبر الإنترنت ومعالجتها واستغلالها لأغراض الرقابة الجبائية، بما يسمح بمقارنة المعطيات المنشورة على المنصات الرقمية مع التصريحات المقدمة من المكلفين بالضريبة، ورصد أي اختلافات محتملة تستدعي التحقق.
ويكتسي هذا الإجراء أهمية خاصة في ظل تنامي النشاط الإعلاني الذي يقوده المؤثرون وصناع المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت حساباتهم إلى فضاءات تستقطب حملات ترويجية لفائدة الشركات والعلامات التجارية، مقابل عائدات مالية قد ترتبط بعدد المشاهدات أو طبيعة المحتوى أو حجم الجمهور المستهدف، وفقًا لطبيعة الاتفاقات المبرمة مع المعلنين.
وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد نشاط المؤثرين مقتصرًا على نشر الصور والمقاطع الترفيهية أو مشاركة تفاصيل الحياة اليومية، بل اتسع ليشمل إنتاج فيديوهات إشهارية وأفلام قصيرة ووثائقيات سياحية للتعريف بالوجهات والمرافق والخدمات، فضلًا عن الترويج للمنتجات والأنشطة التجارية. وأصبحت هذه المضامين إحدى الوسائل التي تلجأ إليها المؤسسات للوصول إلى جمهورها، في سوق إعلانية يتنافس فيها صناع المحتوى مع وسائل الإعلام التقليدية، بما فيها القنوات التلفزيونية، على استقطاب المعلنين.
ويطرح اتساع هذا النشاط تساؤلات حول مدى التصريح بالمداخيل الناتجة عن الإشهار الرقمي، ومدى خضوعها للالتزامات الجبائية المعمول بها، خصوصًا أن بعض المعاملات تتم عبر الإنترنت، وقد تكون تفاصيلها غير ظاهرة في التصريحات الجبائية ما لم تتوفر معطيات تسمح للإدارة المختصة بالتحقق منها. غير أن وجود نشاط إعلاني على منصة رقمية لا يعني في حد ذاته وجود مخالفة، إذ يتطلب تحديد الوضعية الجبائية فحص طبيعة المداخيل والالتزامات القانونية المرتبطة بها.
وبموجب التدبير المقترح، يمكن للإدارة الجبائية الاستناد إلى المعلومات المنشورة للعموم على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، بما في ذلك المنشورات والصور والأوصاف المتعلقة بالمنتجات والأنشطة والخدمات، من أجل تحديد مؤشرات قد تستدعي مراجعة التصريحات الجبائية. ويشمل نطاق المعلومات المعنية المحتوى المتاح دون الحاجة إلى تسجيل الدخول أو تجاوز إعدادات الخصوصية التي يحددها أصحاب الحسابات.
كما ينص التوجه المقترح على إمكانية الاستعانة بأداة معلوماتية لتسهيل جمع البيانات المتاحة وتنظيمها ومقارنتها وتحليلها، بما يساعد على معالجة كميات كبيرة من المعلومات الرقمية واستخراج المؤشرات التي يمكن أن توجه عمليات الرقابة. ويهدف هذا الاستخدام للتقنيات الرقمية إلى دعم عمل الإدارة الجبائية وتحسين قدرتها على متابعة الأنشطة الاقتصادية التي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية وحدها.
ولا يقتصر المجال المستهدف على المؤثرين وصناع المحتوى، بل يمتد إلى مختلف الأنشطة التي تحقق مداخيل عبر الاقتصاد الرقمي، بما فيها الإشهار والترويج التجاري والتجارة الإلكترونية وتقديم الخدمات عبر الإنترنت. ويعكس ذلك توجهًا نحو تكييف أدوات الرقابة مع أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي، أصبحت فيها المعاملات والخدمات والتعاملات التجارية تتم بصورة متزايدة عبر المنصات الرقمية.
وتشير المبررات المرتبطة بالمشروع إلى أن جزءًا من المداخيل المحققة في الاقتصاد الرقمي، بما فيها العائدات الناتجة عن الإعلانات والترويج الإلكتروني، قد لا ينعكس بصورة كاملة في التصريحات الجبائية. ومن هذا المنطلق، تسعى المقاربة المقترحة إلى توفير وسائل إضافية للتحقق من مدى توافق المعلومات المتاحة للعموم مع المداخيل المصرح بها، مع مراعاة الضوابط المرتبطة بالبيانات الشخصية وإعدادات الخصوصية.
ويستند هذا التوجه، وفق ما ورد في مبررات المشروع، إلى تجارب بعض الإدارات الجبائية الأجنبية التي اتجهت إلى استغلال المعلومات المتاحة على الإنترنت في أعمال الرقابة، ومن بينها تجارب في بلجيكا وكندا والمملكة المتحدة، حيث أصبحت الأنشطة الرقمية وتعدد مصادر الدخل تفرض تحديات جديدة أمام الأنظمة الجبائية.
وتشمل المنصات الرقمية المعنية شبكات التواصل الاجتماعي المعروفة، على غرار فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ومنصة إكس ولينكدإن، وغيرها من المواقع التي تتيح للمستخدمين نشر محتوى يمكن الاطلاع عليه من العموم. ويُقصد بالمعلومات المتاحة للعموم، في هذا السياق، المحتوى الذي يمكن الوصول إليه دون مصادقة أو تسجيل دخول، ودون الالتفاف على إعدادات الخصوصية التي اختارها المستخدم.
ويؤكد هذا الجانب أهمية التمييز بين المعلومات المنشورة بصورة علنية وتلك التي يقيّد أصحابها الوصول إليها، إذ إن المقترح يتعلق بالمحتوى المتاح للعموم، ولا يمنح الإدارة الجبائية، وفق المعطيات الواردة بشأنه، مبررًا لتجاوز إعدادات الخصوصية أو الوصول إلى المعلومات المحمية بوسائل غير مشروعة.
وفي حال اعتماد المادة ضمن قانون المالية لسنة 2027، فإنها قد تفتح مرحلة جديدة في متابعة المداخيل المرتبطة بالأنشطة الرقمية، من خلال الاستفادة من المعلومات المنشورة علنًا لتحديد الحالات التي تستدعي التدقيق والتحقق، بدل الاعتماد حصريًا على التصريحات والوثائق المقدمة من المكلفين بالضريبة. ومع ذلك، فإن الأمر يتعلق حاليًا بتدبير وارد في مشروع قانون المالية، ولا ينبغي التعامل معه على أنه إجراء دخل حيز التنفيذ قبل استكمال المسار التشريعي واعتماد النص رسميًا.
ويعيد هذا التوجه النقاش حول تنظيم سوق الإشهار الرقمي في الجزائر، في ظل تنامي دور المؤثرين في الحملات التجارية والترويجية، واتساع المنافسة بينهم وبين وسائل الإعلام التقليدية على ميزانيات الإعلان. كما يسلط الضوء على ضرورة مواكبة التشريعات الجبائية للتغيرات التي يشهدها النشاط الاقتصادي، بما يضمن وضوح الالتزامات وتحقيق المساواة في تطبيق القواعد على المداخيل الخاضعة للضريبة، بصرف النظر عن الوسيلة التي تحققت من خلالها.