كفى تفرقة.. الصحافة وطنية أم ورق وموقع؟

كتب بلقاسم جبار
إن الفجوة الحقيقية في قطاع الإعلام اليوم لا تكمن في غياب النصوص ولا في عجز الرؤية السياسية، بل في “عقليات إدارية” ما تزال تعيش في عصر ما قبل الشاشة. هذه العقليات تمارس تفرقة غير مبررة بين الصحافة الورقية والإلكترونية، متجاهلة أن الإرادة السياسية في أعلى هرم الدولة حسمت الأمر ووحدت الصف تحت اسم “الصحافة الوطنية”، بينما يصر “المسؤول الصغير” في مكتبه على إشعال حساسية مهنية تجاوزها الزمن.
عندما يستمع المرء إلى خطابات الوزراء والمسؤولين في المحافل الرسمية، يشعر بارتياح كبير؛ فهم يتحدثون بلغة العصر، ويتجاوزون بذكاء تلك الحساسيات الضيقة والتقسيمات البائدة بين “ورقي” و”إلكتروني”. تجدهم يعتمدون، عن وعي وإدراك، مصطلحاً جامعاً مانعاً هو “الصحافة الوطنية”. هذا الاختيار اللغوي ليس مجرد مجاملة، بل هو اعتراف صريح بأن معركة الدفاع عن الرأي العام وصناعة الوعي تُخاض اليوم بالبكسل والمنصات، تماماً كما كانت تُخاض بالحبر والورق.
لكن، ما إن تنتهي الخطابات الرسمية الممتلئة بالوعي، وننزل إلى أرض الواقع الإداري، حتى تصدمنا الحقيقة المرة. هناك، في المكاتب الخلفية للإدارة العمومية، ما تزال تعيش عقليات بيروقراطية ترفض مغادرة الماضي. بالنسبة لهؤلاء، لا وجود لصحافة حقيقية إلا إذا كانت تطبع على الورق، وتُوزع في الأكشاك، وتترك حبراً على الأصابع!
هذا التمييز الإداري الفج يثير السخرية والحسرة معاً. كيف لإدارة تتغنى بالرقمنة صباح مساء، وتطالب بتحديث الخدمات، أن تتعامل بتردد وتوجس مع مؤسسات إعلامية إلكترونية مكتملة الأركان؟ نحن لا نتحدث هنا عن صفحات هواة، بل عن منظومات مهنية متكاملة؛ تضم طواقم تحرير محترفة، ومديرين مسؤولين بقوة القانون، وأنظمة أرشفة وتوثيق تتفوق بمراحل على الأرشيف الورقي الذي يأكله الغبار في أقبية الإدارة.
الإشكال الحقيقي لم يعد في النص القانوني، بل في طريقة تأويله وتطبيقه. هناك إصرار غريب من بعض المسؤولين على تفسير القوانين تفسيراً حرفياً ضيقاً، قراءة جامدة تعود بسياقاتها إلى عقود مضت، ولا تعكس إطلاقاً طبيعة المشهد الإعلامي الحالي. هذا التعنت يخلق فجوة عميقة وخطيرة بين الخطاب السياسي المرن والمتطور، وبين الممارسة الإدارية المتصلبة التي تحول الرقمنة من أداة تطوير إلى حلبة للتأويل المزاجي والتفرقة بين أبناء المهنة الواحدة.
إن مسار عصرنة الدولة الذي ننشده يتطلب أولاً انسجاماً تشريعياً وإدارياً، يتطلب “رقمنة” العقول والعقليات قبل رقمنة الحواسيب والوثائق. لم يعد مقبولاً أن يتقدم خطاب الدولة خطوة إلى الأمام عبر تكريس مفهوم الخدمة العمومية الرقمية، بينما تجرها العقلية الإدارية خطوتين إلى الخلف من خلال إقصاء المنصات الإلكترونية والتعامل معها كـ “مواطن من الدرجة الثانية”.
آن الأوان ليفهم الجميع أن الشرعية الإعلامية والمصداقية اليوم لم تعد تُقاس بـ “وزن الورق”، بل بقيمة المحتوى وسرعة الوصول؛ فالصحافة إما أن تكون وطنية ومؤثرة، أو لا تكون.








