أخبار ثقافية
مدائح الرسول بلسان شعراء الجزائر.. ذاكرة فنية تحفظ حب النبي ﷺ

بريجة عبد الحميد
يحمل المولد النبوي الشريف في الجزائر مكانة خاصة في الذاكرة الدينية والاجتماعية، فهو ليس مجرد مناسبة دينية، بل موعد يتجدد فيه الاحتفاء بسيرة النبي محمد ﷺ، وتستعاد معه عادات راسخة ارتبطت بهذه المناسبة، من الأطباق التقليدية واللباس إلى السهرات التي تصدح فيها أصوات المنشدين والشعراء بمدائح خير البرية.
والمديح النبوي فن ضارب في القدم، ارتبط منذ بداياته الأولى بشعراء كبار، وفي مقدمتهم الصحابي حسان بن ثابت رضي الله عنه، شاعر رسول الله ﷺ، إلى جانب قصيدة بانت سعاد المعروفة بلامية كعب بن زهير رضي الله عنه، التي أنشدها بين يدي النبي ﷺ، فكانت من أشهر القصائد في مدح الرسول الكريم.
ولم يكن الجزائريون بعيدين عن هذا التراث، فقد ترك الشعراء والمنشدون الشعبيون الجزائريون رصيدًا مهمًا من القصائد التي تعبّر عن المحبة والتعلق برسول الله ﷺ، وتحوّلت بعض هذه النصوص إلى أعمال فنية بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بالمديح النبوي في الجزائر، شاعر تلمسان محمد بن مسايب، الذي يعد من أعلام الشعر الشعبي والملحون، وترك قصائد في مدح الرسول ﷺ لا تزال تتردد إلى اليوم، ومن أشهرها «الحرم يا رسول الله»، وهي من القصائد التي احتفظت بمكانتها لما تحمله من عذوبة في اللغة وصدق في التعبير عن المحبة النبوية.
كما عرف المديح النبوي حضورًا قويًا في القصيدة الشعبية الجزائرية، خصوصًا في العاصمة ومدن أخرى، حيث تداول المنشدون والمغنون قصائد وأهازيج مرتبطة بالمولد النبوي، من بينها «مولود النبي» و«يا عاشقين رسول الله»، لتصبح هذه الأعمال جزءًا من المشهد الاحتفالي بهذه المناسبة.
ولم يقتصر هذا اللون على قالب فني واحد، بل وجد طريقه إلى عدد من الطبوع الجزائرية، على غرار الملحون والشعبي والحوزي والمالوف، وهي أنماط فنية تتميز بتنوعها وثراء نصوصها الشعرية، وتحتفظ بمكانة بارزة في التراث الموسيقي الجزائري.
وفي بعض الأعمال الغنائية، كان ذكر الرسول ﷺ يأتي في بداية الأداء أو ضمن ما يعرف بالاستخبار، باعتباره استهلالًا يحمل معنى التبرك واستحضار المحبة النبوية قبل الدخول في بقية النص الغنائي.
كما ساهم عدد من الفنانين الجزائريين في الحفاظ على هذا اللون من التراث، ومن بينهم عبد القادر شاعو ودحمان الحراشي، حيث حضرت المدائح والقصائد الدينية ضمن المناسبات الفنية والاجتماعية التي عرفتها الأحياء الشعبية الجزائرية.
وخلال فترة الاستعمار الفرنسي، لم يكن الاحتفال بالمولد النبوي مجرد طقس ديني عابر بالنسبة إلى الجزائريين، بل كان مناسبة اجتماعية وثقافية تلتقي فيها العائلات والأحياء حول تقاليد راسخة، وتصدح فيها المدائح النبوية، في تعبير واضح عن تمسك المجتمع الجزائري بهويته الدينية والثقافية.
ورغم محاولات الإدارة الاستعمارية التضييق على مظاهر الهوية الجزائرية، ظل الاحتفال بالمولد النبوي حاضرًا في المجتمع، وحافظ الجزائريون على تقاليدهم ومدائحهم وأهازيجهم الدينية، لتنتقل من جيل إلى آخر.
وهكذا بقي المديح النبوي واحدًا من الأبواب التي عبر من خلالها الجزائريون عن محبتهم لرسول الله محمد ﷺ، وجزءًا من الذاكرة الفنية التي تختزن تاريخ المجتمع وتقاليده، حتى أصبح كثير من تلك القصائد والألحان مرتبطًا بالمولد النبوي الشريف ارتباطًا وثيقًا.
وفي كل عام، ومع حلول شهر المولد، تعود تلك الأصوات والقصائد إلى الواجهة، لتؤكد أن التراث لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما يستمر ما دام هناك من يحفظه ويردده وينقله إلى الأجيال.










