ثروات باطن الأرض… ورهان السيادة الاقتصادية

في كل مرة تعود فيها ذكرى تأميم قطاع المناجم، لا يكون الحديث مجرد استحضار لحدث تاريخي عابر، بل هو استدعاء لمعنى أعمق يتعلق بالسيادة والقرار الوطني. فالخطوة التي أقدمت عليها الجزائر في ستينيات القرن الماضي لم تكن فقط إجراء اقتصاديا، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن ثروات البلاد يجب أن توضع في خدمة شعبها، لا أن تبقى رهينة لمصالح خارجية.
اليوم، وبعد مرور ستة عقود، يبدو أن هذا الخيار الاستراتيجي لم يفقد بريقه، بل اكتسب أبعادًا جديدة تفرضها التحولات الاقتصادية العالمية. فالعالم يتجه نحو إعادة ترتيب أولوياته في ما يخص الموارد الطبيعية، والجزائر تجد نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة تموقعها كلاعب فاعل في سوق المواد الأولية والصناعات المرتبطة بها.
اللافت في المرحلة الراهنة هو أن قطاع المناجم لم يعد يُنظر إليه كمجرد مصدر تقليدي للمواد الخام، بل كأداة حقيقية لتحقيق التنويع الاقتصادي. المشاريع الكبرى التي يتم إطلاقها، سواء في مجال الحديد أو الفوسفات أو المعادن الأخرى، تعكس إرادة واضحة للانتقال من منطق الاستخراج إلى منطق التحويل وخلق القيمة المضافة.
وهذا التحول، إن تم دعمه بالحوكمة الجيدة والاستثمار المستدام، قد يشكل أحد أهم مفاتيح الخروج من التبعية للمحروقات.غير أن التفاؤل وحده لا يكفي. فالتجارب الدولية تُظهر أن الثروات الطبيعية قد تكون نعمة كما قد تتحول إلى عبء إذا لم تُحسن إدارتها.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن للجزائر أن توفق بين استغلال مواردها بشكل مكثف وبين الحفاظ على التوازنات البيئية والاجتماعية؟ وكيف يمكن ضمان أن تنعكس هذه المشاريع على حياة المواطن بشكل ملموس، من خلال خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة؟
ما يبعث على الارتياح هو أن هناك وعيا متزايدا بضرورة تحديث الإطار القانوني والمؤسساتي، وفتح المجال أمام استثمارات مدروسة، مع الحفاظ على الطابع السيادي للقطاع. كما أن ربط المشاريع المنجمية بالبنية التحتية، مثل السكك الحديدية والموانئ، يعكس رؤية أكثر تكاملا، تتجاوز الحلول الجزئية نحو بناء منظومة اقتصادية مترابطة.
إن الرهان اليوم لا يقتصر على استخراج المعادن، بل يتعداه إلى بناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود أمام التقلبات العالمية. وهذا لن يتحقق إلا إذا تم الاستثمار في الإنسان، في التكوين، وفي نقل التكنولوجيا، حتى تصبح هذه الثروات وسيلة للنهوض الشامل لا مجرد مورد ظرفي.




