جِراحاتُ الأرض ويقظة الأوطان تحليل أمنيّ واستراتيجي لخيوط مؤامرة الحرق

.
بقلم الأستاذ تلية جمال؛
حين تلتهم ألسنة اللهب مساحات الخضرة والجمال في ربوع الجزائر، فإن ما يحترق ليس مجرد أشجار وغابات، بل تُستهدف رئة الوطن وتُختبر مناعته الاستراتيجية. إن المشهد لا يمكن قراءته بعين السطح على أنه مجرد غضبة طبيعية لعناصر المناخ، بل هو لوحة معقدة تتشابك فيها خيوط الحرب الهجينة، وتتقاطع فيها الأجندات العدائية التي تسعى لضرب استقرار الدولة الجزائرية في مفاصلها الحيوية.
أولاً: البعد الأمني والاستراتيجي.. قراءة في توقيت الجريمة
تأتي هذه الهبة النارية في توقيت بالذات وُصِف بدقة الحسابات الاستخباراتية؛ حيث تتضافر ذروة الإجهاد الحراري مع نهايات الصيف وأعتاب الدخول الاجتماعي والسياسي.
استنزاف الموارد: إجبار الدولة على تسخير أقصى قدراتها العسكرية، ومروحيات الإطفاء، ووحدات الحماية المدنية في آنٍ واحد وعبر عشرات الولايات، يهدف إلى إنهاك الخزينة والجهد اللوجستي.
الضغط النفسي والاجتماعي: خلق مناخ من الهلع الممنهج لزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساته السيادية، وإشاعة شعور زائف بالعجز في مواجهة الأزمات.
ثانياً: كشف خيوط المؤامرة.. من المنفذ إلى المستفيد؟
من منظور أمني صارم، تفصل الدوائر الاستراتيجية بين الأداة الميدانية الرخيصة وبين المستفيد الاستراتيجي الخفي:
الأدوات الوظيفية والمحلية: تؤكد التقارير والوقائع الميدانية تورط شبكات إجرامية وجماعات مصنفة إرهابياً وانفصالياً (مثل حركة “ماك” المخربة) تُستخدم كأصابع خفية لتنفيذ مخططات الحرق الممنهج بتوجيه من دوائر إقليمية ودولية تناصب الجزائر العداء.
المحاور المعادية: أي طرف إقليمي يزعجه صعود الدبلوماسية الجزائرية المستقلة، أو مواقفها الثابتة في مجلس الأمن ودعمها للتحرر، يجد مصلحة خبيثة في إبقاء الجبهة الداخلية للجزائر مشغولة بنزيفها البيئي والأمني، لتعطيل مسار التنمية والريادة الإقليمية.
ثالثاً: فصل توعوي للشباب.. درع الجبهة الداخلية واليقظة الرقمية
إلى شباب الجزائر الأحرار، يا سواعد البناء وحصن الأمة المانع:
إن المعركة اليوم لم تعد تُخاض فقط على خطوط النار الميدانية، بل تُخاض على واجهة الوعي الرقمي والنفسي. إنكم المستهدفون الأبرز في حرب الشائعات والحروب النفسية، ولذلك تقتضي المسؤولية الوطنية منكم الآتي:
اليقظة الرقمية ورفض الترويج للهلع: إياكم أن تكونوا منصات إعادة تدوير لفيديوهات قديمة أو إشاعات مغرضة تبثها غرف صفقات الظلام بهدف كسر المعنويات.
التبليغ والإنذار المبكر: العين الساهرة على الغابات والأحياء هي أول خط دفاع؛ فالتبرع بالمعلومة الأمنية أو الإبلاغ الفوري عن أي تحرك مشبوه يوازي في قيمته العمل البطولي لرجال الحماية المدنية والجيش.
التلاحم المجتمعي والتطوع الواعي: إحياء روح الهبة التضامنية المنظمة التي تُفشل دائماً حسابات المخربين، وتأكيد أن اللحمة الوطنية هي السد المنيع الذي يتكسر عنده كل حاقد.
خاتمة: السيادة المنتصرة
إن الجزائر التي عبرت أعتد المحطات التاريخية وأمضى المعارك السياسية والأمنية، قادرةٌ بوعي أبنائها، ويقظة جيشها، وبسالة أجهزتها الأمنية، على وأد هذه المؤامرات في مهدها. ستبقى الغابات خضراء رغم كيد الحاقدين، ويبقى الوطن شامخاً كريماً، لا تنكسر له شوكة ولا تلين له قناة.
أَتَحْسَبُ نِيرَانَ الضِّغَائِنِ تُطْفِئُ … شَمْسَ الكَرَامَةِ أَوْ يَخُورُ مَدَارُهَا؟
رَمَوْا بِسِهَامِ الحِقْدِ أَرْضَ أَبِيَّةٍ … فَتَحَطَّمَتْ عِنْدَ الصُّمُودِ جِرَارُهَا
تَآمَرَ أَهْلُ الإِفْكِ فِي لَيْلِ الخَنَا … لِيَسْتَنْفِدُوا بَأْسَ البِلَادِ وَنَارَهَا
سَعَوْا لِاحْتِرَاقِ الرُّوْضَةِ الْغَنَّاءِ كَيْ … يَتَسَلَّلُوا.. فَإِذَا الأُسُودُ حِصَارُهَا
أَمَا عَلِمُوا أَنَّ الحَرَائِقَ صَعْدَةً … تَزْدَادُ عِزّاً في سَنَاهَا نارُهَا؟
هَيْهَاتَ يَبْلُغُ كَيْدُ كُلِّ مَخَرِّبٍ … أُفُقاً تَمَوَّجَ بِالبُطُولَةِ فَارُهَا
إِذَا اسْتَعَرَتْ كَبِدُ الحِمَى بِاللَّظَى … كَانَتْ عُزُومُ البَاسِلِينَ بَحَارَهَا
يَا أَيُّهَا الخُفَّاشُ تَرْقُبُ سَاقِطاً … هَلْ تَحْسَبُ الأَعْصَارَ يُخْلِفُ ثَارُهَا؟
سَتَبْقَى الجَزَائِرُ قِمَّةً قُدْسِيَّةً … يَخْسَى العَدُوُّ وَيَنْطَوِي تَدْمِيرُهَا
وَأَنَا الَّذِي إِنْ قَالَتِ الدُّنْيَا صَخَبْتُ … بِسَيْفِ بَيَانِي فَانْجَلَى بَوَارُهَا.










