شراكة الجزائر وأنغولا بين ذاكرة التحرر وتحديات الحاضر

كتب بلقاسم جبار
لا تبدو العلاقات الجزائرية الأنغولية مجرد امتداد دبلوماسي تقليدي بين بلدين إفريقيين، بل هي في جوهرها علاقة تشكلت في رحم مرحلة تاريخية معقدة، حيث كانت قضايا التحرر الوطني عنواناً جامعاً لشعوب القارة. ومن هذا المنطلق، يكتسب الخطاب الأخير لرئيس جمهورية أنغولا جواو مانويل غونسالفيس لورينسو أمام البرلمان الجزائري دلالة تتجاوز المجاملة السياسية إلى إعادة إحياء سردية مشتركة بين بلدين اختارا أن يكونا في صف واحد خلال لحظات التحول الكبرى في إفريقيا.
إن استحضار أنغولا للدور الجزائري في دعم استقلالها لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتمثل في إعادة الاعتبار لمرحلة كانت فيها الجزائر فاعلاً مركزياً في دعم حركات التحرر الإفريقية. هذا الاعتراف يعكس أيضاً حاجة الدول الإفريقية اليوم إلى إعادة قراءة تاريخها المشترك ليس فقط كذاكرة سياسية، بل كرصيد يمكن توظيفه في بناء تعاون جديد أكثر واقعية وفعالية.
لكن الأهم في الخطاب لا يكمن في الماضي وحده، بل في الرسائل المرتبطة بالحاضر. فالإشارة إلى التحديات الأمنية والتنموية التي تواجه القارة، وعلى رأسها الإرهاب وعدم الاستقرار، تكشف عن إدراك متزايد لدى الطرفين بأن المرحلة الحالية تتطلب انتقالاً من رمزية التضامن التاريخي إلى شراكات عملية قائمة على التنسيق الأمني والتكامل الاقتصادي.
في المقابل، يبرز الدور الجزائري في هذا السياق كعنصر ثابت في المعادلة الإفريقية، حيث تحاول الجزائر الحفاظ على موقعها كدولة تمتلك رصيداً تاريخياً في دعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وهو ما يمنحها وزناً إضافياً في النقاشات الإقليمية. غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يبقى مطالباً اليوم بأن يتجدد عبر آليات تعاون أكثر مرونة وفاعلية تتناسب مع التحولات الجيوسياسية الراهنة.
إن العلاقات بين الجزائر وأنغولا تقف اليوم عند تقاطع مهم بين ذاكرة مشتركة وتحديات مستقبلية. فإما أن تبقى أسيرة الرمزية التاريخية، أو تتحول إلى نموذج تعاون إفريقي قادر على تقديم حلول واقعية لمشكلات القارة المزمنة. وبين هذا وذاك، يظل الرهان الحقيقي هو تحويل خطاب التضامن إلى سياسات ملموسة تعزز الاستقرار والتنمية بعيداً عن الشعارات.



