مدن تغرق… ومن المسؤول؟

كتب بلقاسم جبار
ليست الأمطار التي شهدتها بعض المدن الجزائرية مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل هي في كل مرة تكشف خللاً أعمق من مجرد تقلبات جوية. ما يحدث عند أول تساقط معتبر هو نفس المشهد تقريباً: طرقات تغمرها المياه، حركة تتعطل، وأحياء تتحول إلى نقاط صعبة العبور. المشكلة لم تعد في السماء، بل في الأرض وكيف تُدار.
الحديث عن الفيضانات الحضرية لا يمكن أن يُختزل في انسداد البالوعات أو ضعف الصيانة فقط، رغم أهميتهما. فالإشكال أوسع من ذلك، ويعود في جزء كبير منه إلى غياب رؤية حضرية متكاملة في تسيير التوسع العمراني، حيث تتحول بعض المدن إلى فضاءات سكنية سريعة النمو دون دراسة كافية لطبيعة الأرض ومسارات المياه.
من بين النقاط الأكثر حساسية أن بعض الأحياء شُيّدت فوق مجاري أودية قديمة أو مناطق كانت تاريخياً ممرات طبيعية لمياه الأمطار. ومع مرور السنوات، قد يبدو المكان مستقراً ومناسباً للبناء، لكن عند أول تساقط قوي تعود الطبيعة إلى منطقها الأصلي، فتُظهر المياه مساراتها القديمة، ويظهر معها الخطر الذي كان مؤجلاً لا مفقوداً.
هذا المعطى يكشف أن الفيضانات ليست فقط نتيجة ظرفية للأمطار، بل أيضاً نتيجة قرارات عمرانية لم تأخذ بعين الاعتبار الذاكرة الطبيعية للأرض. فالماء لا يلغي طريقه، بل يؤجله فقط.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء شبكات الصرف من المسؤولية، فهي في كثير من الحالات غير مهيأة لاستيعاب كميات كبيرة في وقت قصير، أو تعاني من نقص الصيانة والمتابعة، ما يزيد من حدة المشكلة عند كل اضطراب جوي.
وإذا كانت بعض الحالات تمر دون خسائر كبيرة، فإن الذاكرة لا تزال تحتفظ بصور كارثية، أبرزها فيضانات باب الوادي 2001، التي تظل تذكيراً صارخاً بأن تجاهل طبيعة الأرض وترك الملفات دون معالجة جذرية قد يقود إلى نتائج قاسية.
في النهاية، لا يمكن التعامل مع الفيضانات كحدث موسمي فقط، بل كمسألة تخطيط حضري ومسؤولية تسيير. فالمدينة التي تُبنى دون احترام مسارات المياه، تدفع في كل موسم ثمن قرار سابق لم يُحسب جيداً.




