أخبار الوطن

رمضان بين الحنين والرجاء

رمضان بين الحنين والرجاء

كتب بلقاسم جبار

يطلّ علينا رمضان هذا العام، كما في كل عام، بروحه الطاهرة التي تغسل القلوب، وبنور يضيء زوايا الروح قبل البيوت. لكنه أيضًا يعيد إلينا صورًا من الماضي، ويفتح أبواب الحنين على مصراعيها، فتتداخل الذكريات مع اللحظة، ونتأمل في وجوه من حولنا، بحثًا عن أولئك الذين غابوا، وعن أشياء كانت يومًا تفاصيل عابرة، لكنها الآن صارت أغلى ما نملك.

رمضان الذي لطالما كان شهر التجمعات العائلية، يحمل في طياته هذا العام لحظات من الفقد لكثيرين. في زوايا البيوت، هناك كرسي ظلّ فارغًا منذ رحيل صاحبه، وموائد لم تعد تكتمل كما كانت. تجلس جدة تردد دعواتها بصوت خافت، مستعيدة أسماء كانت تلهو حولها في صغرهم، قبل أن يفرقهم العمر والمسافات. وفي أحد المساجد، يبكي رجل بصمت، يدعو لمن كان يصلي بجانبه كل عام، لكنه اليوم يسكن الذاكرة بدلًا من الصفوف الأولى.

ورغم ذلك، يبقى رمضان شهر الأمل، شهر القلوب التي تلتقي، حتى وإن فرّقتها الأيام. في شوارع الجزائر، حيث الأزقة القديمة تنبض بالحياة، تسير امرأة مسنة تحمل طبق “الطعام” إلى جيرانها، كما كانت تفعل منذ عشرات السنين، وكأن الزمن لم يمس قلبها. وفي ساحة أخرى، يمدّ شاب يده إلى رجل غريب، يقدّم له تمرة وكوب ماء، في مشهد يعيد إلينا معنى البساطة والمحبة.

أما في القرى البعيدة، حيث السكون يلف الأمسيات، يجتمع أهل الحيّ تحت سماء مفتوحة، يشعلون نارًا صغيرة، ويتقاسمون ما تيسر من رزق، بينما يستعيد الأكبر سنًا قصص رمضان قديم، يوم كان الجميع ينتظر مدفع الإفطار بدلًا من الآذان، ويوم كانت رسالة واحدة على الورق تكفي لطمأنة قلب أم عن ابنها المغترب.

رمضان ليس مجرد أيام تمرّ، إنه زمن مختلف، يعيدنا إلى أنفسنا، إلى الأشياء التي فقدناها وسط زحام الحياة، إلى الدفء الذي لا يأتي من الطعام، بل من الاجتماع، وإلى السلام الذي نجده في سجدة صادقة بين يدي الله. رمضان ليس فقط صيامًا، إنه دعوة للقلوب كي تعود إلى جوهرها، إلى نقائها الأول، إلى لحظة يكون فيها الإنسان أقرب ما يكون إلى ذاته وإلى من يحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق