مبارك حمداوي… البرلماني الذي اختار الصمت بدل الصخب

في زمن تزدحم فيه الساحة السياسية بالأصوات المرتفعة والمواقف المسرحية، برز اسم **مبارك حمداوي** كرجل اختار أن يخدم من الظل. لا صوره كانت تتصدر العناوين، ولا صوته كان يلهث وراء الكاميرات، لكنه كان هناك، حيث تُتَّخذ القرارات التي تمس المواطن البسيط.
ولد في حضن **بلدية الزيتونة** بولاية الطارف، تلك الأرض التي تشربت الثورة، وورثت عن الشهداء صلابة الموقف وصدق الانتماء. من هنا خرج حمداوي، لا يحمل رصيداً من الوعود، بل إرثاً من القيم.
**سياسي بلا قناع…**
لم يكن مبارك حمداوي سياسياً كلاسيكياً. لم يكن متسلقاً ولا تابعاً، بل برلمانياً يحمل وجهاً واحداً، وموقفاً ثابتاً. عُرف في أروقة المجلس الشعبي الوطني بمداخلاته الدقيقة، وحديثه الهادئ، وجرأته في الدفاع عن الفئات المهمشة، دون أن يرفع صوته أو يلوّح بالشعارات.
في لجنة الشؤون الاجتماعية، كان لسان العمال والشباب والعائلات المعوزة. وفي الجلسات العامة، لم يكن يطلب الكلمة لمجرد الظهور، بل كان يتكلم حين يَعلم أن الصمت خيانة.
**نائب الشعب… لا نائب الكرسي**
رفض مبارك حمداوي أن يكون برلمانياً يعيش بين العاصمة والمنصة. كان حاضراً في القرى، في الأسواق، في قاعات الانتظار بالمستشفيات المحلية. لم يكن “يتفقد”، بل **يعيش مع الناس**. كان يمشي معهم، يسمع منهم، يدوّن انشغالاتهم، ويعود بها إلى المجلس كأمانة لا كرصيد سياسي.
لم يملك مكتباً فخماً ولا حرّاساً شخصيين. كان يحمل هاتفه بيده، ويرد على اتصالات المواطنين بنفسه. هكذا فهم التمثيل النيابي: مسؤولية لا امتياز.
**رجل المبادرات الصامتة**
بعيداً عن كاميرات القنوات والصور التذكارية، كان للراحل يدٌ في كثير من المشاريع الخيرية. لم تكن الجمعيات تعرفه كنائب، بل كفاعل خير. تكفل بأرامل، وساعد شباباً على إطلاق مشاريعهم، ووزّع أغطية في شتاء قاسٍ على سكان مناطق معزولة… دون بيان صحفي واحد.
قال ذات مرة لأحد مقربيه:
> “إن لم يشعر الناس أن الدولة تلامس حياتهم اليومية، فكل ما نقوله تحت قبة البرلمان مجرد خطابة فارغة.”
**رحل الرجل… وبقي الدرس**
في 31 جويلية، خبا صوت كان صادقاً، وانطفأ حضور لم يكن استعراضياً. لكن ما تركه مبارك حمداوي من أثر، أكبر من أن يختصر في سيرة. لقد رسم ملامح برلماني من طينة نادرة: **نزيه، متواضع، وفيّ لقضاياه حتى النهاية**.
رحيله ليس مجرد محطة عابرة في الذاكرة السياسية، بل فرصة لإعادة طرح السؤال الكبير:
**من يمثل الشعب حقاً؟**




