الجامعة الجزائرية تراهن على البحث والابتكار لتعزيز الأمن المائي

تتجه الجامعة الجزائرية بصورة متزايدة نحو جعل البحث العلمي والابتكار أدوات عملية لمعالجة التحديات الوطنية، وفي مقدمتها قضية الأمن المائي، من خلال توجيه مخابر البحث إلى تطوير حلول قابلة للتطبيق وتعزيز التعاون مع القطاع الاقتصادي والاجتماعي.
ويأتي هذا المسار في إطار التوجه الرامي إلى إعادة تعريف دور الجامعة، بحيث لا تقتصر وظيفتها على التكوين الأكاديمي ومنح الشهادات، وإنما تمتد إلى إنتاج المعرفة وتحويلها إلى مشاريع ومؤسسات ناشئة وبراءات اختراع وحلول تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمع والاقتصاد.
وفي هذا السياق، تبرز جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين بباب الزوار كنموذج للحركية العلمية المرتبطة بالأولويات الوطنية، من خلال نشاط مخابرها في مجالات الكيمياء والهندسة الميكانيكية وهندسة الطرائق والهندسة المدنية، وتطوير تقنيات تستهدف على وجه الخصوص معالجة المياه وإعادة استخدامها.
وأكد مدير الجامعة، البروفيسور جمال الدين آكراتش، في تصريح لـ«الشعب»، أن المؤسسات الجامعية ظلت حاضرة في مرافقة القضايا الوطنية الاستراتيجية، موضحا أن جامعة هواري بومدين تعمل على تسخير إمكاناتها البحثية لتقديم حلول تقنية وعلمية مبتكرة.
وأوضح آكراتش أن المقاربة الحالية تجاوزت الحلول التقليدية لتشمل مواكبة المشاريع الوطنية الكبرى، على غرار تحلية مياه البحر، التي ساهمت في تدعيم القدرات المائية للبلاد خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تطوير تقنيات لمعالجة المياه المستعملة وإعادة استخدامها وتثمينها، انسجاما مع توجيهات رئيس الجمهورية، ولا سيما ما تعلق بتثمين المياه المستعملة المعالجة وتوسيع نطاق إعادة استعمالها.
وتولي الجامعة أهمية خاصة لملف تصفية ومعالجة المياه المستعملة، بالنظر إلى إمكانية إعادة توجيه هذا المورد نحو قطاعات حيوية، لاسيما الفلاحة والصناعة. ويتقاطع ذلك مع توجه قطاع الري نحو تعميم المعالجة الثلاثية بمحطات التطهير، في وقت تستهدف فيه الدولة استرجاع 60 بالمائة من المياه المستعملة، بما يوفر موردا مائيا إضافيا يمكن أن يساهم في تغطية الاحتياجات التنموية، خاصة بالنسبة للقطاع الفلاحي.
وتتوفر الجزائر حاليا على 237 نظاما للتطهير قيد الاستغلال عبر مختلف مناطق الوطن، فيما يتضمن البرنامج الجاري إنجاز 76 نظاما جديدا، الأمر الذي من شأنه رفع القدرة الإجمالية للتصفية إلى 1.514 مليار متر مكعب سنويا، بزيادة تقارب 35 بالمائة مقارنة بالقدرات الحالية.
وفي إطار مرافقة هذا التوجه، تعمل الجامعة على تعزيز التشاور والتعاون العلمي مع مختلف الفاعلين، من خلال تنظيم اللقاءات والأيام الدراسية والمؤتمرات المتخصصة، بما يسمح بتبادل الخبرات والاطلاع على التقنيات الحديثة القابلة للتوظيف في مجال المياه.
وكانت جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين قد احتضنت المؤتمر الدولي الأول حول «استراتيجيات تنقية المياه المستعملة وإعادة استخدامها بكفاءة»، الذي شكل فضاء لتبادل التجارب ومناقشة الحلول العلمية المرتبطة بإدارة الموارد المائية، خصوصا في ظل الإجهاد المائي والتغيرات المناخية وموجات الحر التي تعرفها منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وخلصت أشغال المؤتمر إلى جملة من التوصيات، من بينها تطوير البحث والابتكار في مجال الإدارة المستدامة للمياه ومعالجة المياه المستعملة وإعادة استعمالها في المجالات الزراعية والصناعية والحضرية، مع الالتزام بالمتطلبات الصحية والبيئية.
كما دعا المشاركون إلى دعم الاقتصاد الدائري عبر الحد من استهلاك الموارد وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير وتثمين النفايات والمنتجات الثانوية، إلى جانب توسيع التعاون بين الجامعات ومخابر البحث ومراكز الدراسات والمؤسسات الصناعية، بما يجعل البحث العلمي أكثر ارتباطا بالاحتياجات الحقيقية للقطاعين الاقتصادي والاجتماعي.
وشملت التوصيات كذلك تشجيع البحث التطبيقي والمشاريع التي يمكن أن تفضي إلى تطبيقات عملية ونماذج أولية وتقنيات مبتكرة لمعالجة المشكلات البيئية والصناعية، فضلا عن تطوير التعاون العلمي على المستويين الوطني والدولي من خلال المشاريع المشتركة وتبادل الخبرات وإقامة شراكات مستدامة.
وأكد المشاركون أهمية نقل نتائج البحث العلمي وتثمينها وإيصالها إلى القطاعات المعنية، إلى جانب تعزيز مرافقة طلبة الدكتوراه والباحثين الشباب وإشراكهم في المشاريع التعاونية وتسهيل اندماجهم في الشبكات العلمية الوطنية والدولية.
كما شددوا على ضرورة توفير الدعم المؤسساتي والمالي اللازم للبحث العلمي، بما يسمح بتطوير المشاريع وتنظيم التظاهرات العلمية وتعزيز حركية الباحثين، مع اقتراح آلية لمتابعة تنفيذ التوصيات وتحويلها إلى مشاريع بحثية وشراكات قابلة للتجسيد.
ويرى مدير جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين أن هذه المؤتمرات تتيح تقييم مستوى البحث الوطني ومقارنته بالمعايير الدولية، كما توفر فرصة لدعم المسار الأكاديمي والمهني للباحثين الشباب وطلبة الدكتوراه، باعتبارهم عنصرا أساسيا في مستقبل البحث العلمي وقدرته على الاستجابة للأولويات الوطنية.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية تنويع الموارد المائية غير التقليدية وتطوير التعاون بين المخابر الجزائرية ونظيراتها الأجنبية، بهدف تبادل الخبرات ورفع القدرات العلمية والتكنولوجية المرتبطة بالإدارة المستدامة للمياه وتعزيز القدرة على مواجهة تحديات الإجهاد المائي.
ولا يقتصر الانفتاح الجديد للجامعة على البحث العلمي، بل يشمل أيضا تعزيز علاقتها بالمحيط الاقتصادي، من خلال ربط مشاريع الطلبة ومذكرات التخرج بالإشكالات الميدانية للمؤسسات، وتشجيع تحويل الأفكار والمشاريع إلى مؤسسات ناشئة ومصغرة وبراءات اختراع، في إطار القرار الوزاري رقم 1275 «شهادة – مؤسسة ناشئة/براءة اختراع».
كما تعزز الجامعات حاضنات الأعمال والهياكل المخصصة لمرافقة أصحاب الأفكار والمشاريع، بالتوازي مع توسيع استخدام الرقمنة في التسيير البيداغوجي والإداري، وإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتعليم الهجين، بما يدعم جودة التكوين ويساهم في تحسين حضور الجامعات في التصنيفات الدولية.
وفي المجال المائي تحديدا، خطت جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين خطوة عملية باحتضان محطة مصغرة لمعالجة المياه داخل الحرم الجامعي، تمثل فضاء تطبيقيا يسمح للطلبة والباحثين بإجراء التجارب واختبار الحلول التكنولوجية ومحاكاتها ميدانيا.










