الإمارات وأزمات الإقليم.. سياسة التفكيك بدل بناء الدول

لم تعد الإمارات طرفًا يتأثر بأزمات الوطن العربي أو يتفاعل معها، بل باتت عنصرًا بنيويًا في استمرارها. حضورها لا يُسجَّل حيث تُبنى الدول، بل حيث تتصدّع، ولا يظهر في لحظات التوافق الوطني، بل في مناطق الفراغ والانقسام.
فمن اليمن إلى ليبيا، ومن السودان إلى مصر، ومن غزة إلى الصومال وسوريا، يتكرر النموذج ذاته: دعم قوى موازية للدولة، تسليح خارج القنوات الرسمية، واقتصاد سياسي منفصل عن القرار الوطني، يترافق مع خطاب استقرار يخفي واقع تفكيك بطيء وممنهج.
بهذا المعنى، لا تمارس أبو ظبي التخريب بوصفه خطأ أو انحرافًا، بل سياسة محسوبة ترى في الاستقرار الحقيقي خطرًا، وفي الدولة العربية القوية تهديدًا، وفي الشعوب التي تمتلك قرارها عبئًا يجب تطويعه. فالرهان ليس على السيادة، بل على هشاشتها، وليس على الإجماع، بل على التناقضات الداخلية القابلة للإدارة. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا يفشل الاستقرار العربي، بل من يملك المصلحة في ألا يتحقق أصلًا.
إن الدور الذي تمارسه الإمارات في الإقليم لم يعد قابلًا للتبرير. تدخلاتها المتكررة لم تُفضِ إلى استقرار، بل إلى تفكيك الدول وتعميق الانقسامات ومنع أي مسار سيادي مستقل. وتحت عناوين الاستثمار والأمن، جرى تقويض المؤسسات وربط القرار الوطني بأجندات خارجية.
في أفق 2026، من المرجح أن تواصل الإمارات محاولات إضعاف الدول التي تحاول النهوض، لكنها باتت أضعف نسبيًا بعد انكشاف أدوارها وفضحها في تقارير صحفية عربية وأجنبية، ومع تصاعد الرفض الشعبي لدورها التخريبي على منصات التواصل الاجتماعي. كما اصطدمت هذه السياسة بمتغيرات إقليمية جديدة، أبرزها الموقف السعودي الذي وقف حائلًا أمام تمدد المشروع الإماراتي في اليمن.
لم يكن الوجود الإماراتي في اليمن جزءًا من التحالف العربي بقدر ما كان مشروعًا مستقلًا للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية وبناء قوات محلية موالية، مع تثبيت واقع انفصالي في الجنوب. غير أن هذا المشروع اصطدم بثلاثة جدران أساسية: أولها تغير الموقف السعودي الذي بات يرى أن جنوبًا منفصلًا يهدد أي تسوية شاملة ويحوّل اليمن إلى عبء دائم. ثانيها خروج القوى المحلية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، عن السيطرة وتحولها إلى لاعب يفاوض ويبتز. وثالثها الرقابة الدولية المتزايدة على البحر الأحمر وباب المندب.
في 2026، قد لا تخسر الإمارات اليمن بالكامل، لكنها فقدت القدرة على تعميق نفوذها. تحجيم دورها يمثل خسارة استراتيجية مادية ومعنوية، وضربة في صميم مشروعها الإقليمي.
في السودان، راهنت أبو ظبي على قوى الأمر الواقع بدل الدولة، فكانت النتيجة حربًا طويلة وتفككًا متسارعًا. استمرار الاقتتال لم يعد يهدد السودان وحده، بل مصالح إقليمية أوسع، بدءًا من أمن البحر الأحمر الذي تحوّل من ممر تجاري إلى خاصرة رخوة، مرورًا بالأمن الغذائي العربي مع تعطّل الزراعة وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى ضغوط مباشرة على مصر والسعودية.
في ظل هذا الواقع، يزداد الضغط الدولي والإقليمي لإنهاء الحرب، ومعه سيُطرح سؤال جوهري: من المستفيد من إطالة أمدها؟ هنا يبرز الدور الإماراتي بوصفه عاملًا رئيسيًا في تغذية الصراع، وهو دور بات محل مساءلة متزايدة، وإن كانت حكومة أبو ظبي لا تُبدي اكتراثًا يُذكر، مستندة إلى شبكة حماية سياسية وإعلامية غربية.
في المحصلة، ما يجري في اليمن والسودان ليس أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سياسة واحدة تقوم على إدارة الفوضى لا حلّها، وعلى الاستثمار في الانقسام لا في بناء الدول. وفي عام 2026، قد تتغير موازين القوة، لكن أثر هذه السياسة سيبقى حاضرًا، ما لم يُواجه عربيًا بإرادة سيادية جماعية تعيد تعريف الاستقرار بوصفه بناءً للدولة، لا تفكيكًا لها.





