أخبار الوطن
الصحراء الغربية ومأزق المصداقية الدولية

كتب : بلقاسم جبار
في خضم النزاعات الدولية المتراكمة، تبرز قضية الصحراء الغربية كملف استعمار كلاسيكي لا يزال ينتظر تسوية عادلة تحفظ حق شعب في تقرير مصيره، وتعيد الاعتبار لمبدأ تأسست عليه الأمم المتحدة ذاتها. غير أن ما صدر مؤخرًا عن وزيري خارجية المملكة المتحدة والمملكة المغربية، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول حقيقة مواقف بعض القوى الدولية ومدى احترامها للشرعية الدولية.
فالبيان المشترك الذي وصف المقترح المغربي بشأن “الحكم الذاتي” بأنه “جدي وذو مصداقية”، لا يعدو أن يكون محاولة مموهة لتغليب منطق القوة على منطق القانون، وتكريس لحالة فرض الأمر الواقع التي لطالما انتهجها المغرب في الأراضي الصحراوية المحتلة. هذا المقترح، الذي قُدم سنة 2007 بشكل أحادي، لم يُطرح على الشعب الصحراوي كخيار تفاوضي، بل رُوّج له في أروقة السياسة والإعلام لتضليل المجتمع الدولي.
ما يثير الدهشة أن هذا التوصيف يأتي في ظل سلسلة من الأحكام والقرارات الدولية التي أكدت على الطابع القانوني الواضح للقضية، بدءًا برأي محكمة العدل الدولية عام 1975، ومرورًا بقرارات المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، وانتهاءً بالأحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية التي قضت بعدم قانونية استغلال الثروات الصحراوية دون موافقة شعب الإقليم.
إن التغاضي عن هذه المعطيات القانونية لصالح خطاب مغلوط، يشكل خرقًا فاضحًا لأسس العدالة الدولية، ويُضعف من ثقة الشعوب المضطهدة في المؤسسات الأممية، بل يُظهر مدى تأثر بعض المواقف الغربية بمغريات المصالح الاقتصادية والصفقات التجارية التي تدور خلف الستار، حيث أصبحت خيرات الصحراء الغربية مطمعًا لكبريات الشركات، وسط صمت دولي مريب.
ولا يغيب عنا في هذا السياق أن بعض هذه الشركات بدأت مؤخرًا في التراجع عن تعاملها مع كيانات مغربية في الإقليم المحتل، استجابة لأحكام قضائية دولية. وهو مؤشر إيجابي يعكس صحوة قانونية وأخلاقية نادرة في عالم تُهيمن عليه لغة المصالح.
لكن الأخطر من كل ذلك هو محاولات بعض العواصم الغربية إعادة صياغة النزاع بمفاهيم ملتوية، تتجاوز جوهر القضية المتمثل في تصفية الاستعمار، لتحوله إلى مجرد نزاع سياسي قابل للتسوية عبر حلول تسووية غير عادلة. وهو أمر لا يخدم السلم ولا الاستقرار، بل يفتح المجال أمام مزيد من التوترات، ويُغذي مشاعر الغبن ويقوض آمال الشعوب.
إن مسؤولية القوى الدولية لا تكمن فقط في الوساطة أو الدعم، بل في احترام المبادئ التي طالما نادت بها، وعلى رأسها مبدأ تقرير المصير. فالتاريخ لن يغفر لمواقف متقلبة، تتخلى عن القيم مقابل مصالح آنية، في قضايا تمثل معيارًا حقيقيًا للعدالة الدولية.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لحقوق الشعوب، ووضع حد لتواطؤ بعض المواقف السياسية مع منطق الاحتلال المقنع، لأن الشرعية لا تُبنى بالبيانات الدبلوماسية، بل تُكرّس بإرادة الشعوب، وباحترام القانون، لا بتجاوزه.




