بين الرمزية والواقع… من ينقذ ذاكرة الجزائر؟

ليست كل المبادرات الثقافية قادرة على إثارة الانتباه، لكن ما قام به خودير بن شيكو لفائدة متحف متحف سيرتا ومتحف نصر الدين ديني يفرض نفسه كنقطة تستحق التوقف، لا لثقلها المادي بقدر ما تحمله من دلالات عميقة تتجاوز لحظة التسليم إلى سؤال أكبر يتعلق بمصير الذاكرة الوطنية في الجزائر.
كتب بلقاسم جبار
المشكلة في المشهد الثقافي الجزائري ليست في غياب المبادرات، بل في ندرتها واستثنائيتها، وهو ما يجعل أي فعل من هذا النوع يبدو لافتًا أكثر مما ينبغي، في حين أن الأصل أن يكون سلوكًا عادياً داخل مجتمع يدرك قيمة تراثه. هنا بالضبط تكمن المفارقة: حين تتحول الهبة إلى حدث، فهذا يعني أن القاعدة ما تزال غائبة.
ما قدمه بن شيكو مهم، لأنه يعيد طرح معادلة ظلت لسنوات مختلة، مفادها أن حماية التراث ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الدولة والنخب والمجتمع. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث لا تزال المتاحف تعاني من ضعف الجاذبية، وقصور في أساليب العرض، وغياب استراتيجية واضحة تجعلها جزءًا من الحياة اليومية للمواطن.
في هذا السياق، لا يمكن التعويل على المبادرات الفردية وحدها لإحداث التحول المطلوب، لأن الرهان الحقيقي يكمن في بناء منظومة متكاملة تفتح المجال أمام مساهمة الأفراد، وتؤطرها قانونيًا، وتمنحها بعدًا مؤسساتيًا يضمن استمراريتها. فالهبات الثقافية، مهما كانت قيمتها، تفقد أثرها إذا لم تُدرج ضمن رؤية وطنية تجعل من المتحف فضاءً حيويًا للإنتاج الثقافي، وليس مجرد مخزن للذاكرة.
التجارب الدولية تؤكد أن إشراك المجتمع في إثراء المؤسسات الثقافية يخلق ديناميكية جديدة، لكنه ينجح فقط حين يجد بيئة حاضنة تشجع وتكافئ وتضمن الشفافية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن مستعدون لتحويل هذا النوع من المبادرات إلى سياسة عامة، أم سنكتفي بالاحتفاء بها إعلاميًا ثم نعود إلى نقطة الصفر؟
في النهاية، ما حدث ليس مجرد تبرع لمتحفين، بل اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على قراءة الإشارات الصغيرة وبناء تحولات كبيرة انطلاقًا منها. لأن حماية الذاكرة لا تُختزل في مناسبة، بل تُبنى بتراكم الأفعال، وحينها فقط يمكن القول إن الجزائر لا تحفظ تراثها… بل تعيد إحياءه.





