لم تكن الإصلاحات التشريعية التي شهدها قطاع الإعلام في الجزائر مؤخراً، وعلى رأسها القانون العضوي 23-14، مجرد تعديلات إدارية تهدف لتنظيم النشر أو سد ثغرات إجرائية، بل كانت في جوهرها “عملية جراحية” دقيقة استهدفت إعادة الهيبة للمؤسسة الإعلامية الوطنية، وفصل الاستثمار الإعلامي الرصين عن النشاط العشوائي الذي ساد لسنوات.
إن هذا التحول التاريخي الذي قادته الدولة لم يكن ليحقق غاياته لولا الاستجابة الواعية والمسؤولة من ثلة من الناشرين الذين اختاروا طريق “المطابقة الشاملة”، واضعين نصب أعينهم أن بناء إعلام قوي يبدأ من الانضواء تحت لواء القانون والسيادة الوطنية.
إن المؤسسات الإعلامية التي سارعت لتكييف وضعيتها القانونية، وتوطين مواقعها تقنياً، لم تكن تبحث عن إجراء بروتوكولي، بل كانت تسعى لبناء “هيكل ثقة” بينها وبين القارئ من جهة، وبينها وبين مؤسسات الدولة من جهة أخرى.
هذا الالتزام الطوعي، رغم ما يترتب عليه من أعباء إدارية وتكاليف مادية، يمثل “عقداً اجتماعياً” جديداً ينهي عهد “الصحافة الموازية” ويؤسس لعهد المؤسسات الموطنة التي تمتلك مقراً معلوماً، وتمويلاً شفافاً، وخطاً افتتاحياً يخدم المصلحة العليا للبلاد.
لقد نجحنا جماعياً في تطهير المشهد من “المنصات العشوائية”، وأصبحنا اليوم أمام خارطة واضحة للمنابر الموثوقة التي تمثل الوجه الحقيقي للجزائر الرقمية.
ومع ذلك، فإن نجاح مرحلة “التأسيس القانوني” يضعنا أمام تساؤل استراتيجي: كيف يمكن تحويل هذا الالتزام إلى واقع مستدام؟ إن القوانين لم توضع لتكون قيوداً، بل لتكون ضمانات؛ وضمانة النجاح الحقيقية تكمن في تثمين هذا المسار عبر الانتقال السريع من مرحلة “الاعتراف الورقي” إلى مرحلة “الشراكة الميدانية”، لضمان بقاء هذه الصروح الإعلامية صامدة في وجه التحديات الراهنة والمستقبلية.
(تتابعون في الحلقة القادمة: السيادة الرقمية.. ما وراء الالتزام التقني وتحديات الاستضافة المحلية).