الحرب على إيران تربك الأسواق العالمية وترفع أسعار الطاقة والسلع
ألقت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران للأسبوع الثاني على التوالي بآثار واسعة على الاقتصاد العالمي، بعدما انعكست التطورات العسكرية في الخليج على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، ما تسبب في اضطرابات كبيرة في عدد من القطاعات الحيوية وارتفاع ملحوظ في أسعار العديد من السلع الأساسية.
وتعود حساسية الأسواق العالمية تجاه هذا الصراع إلى الموقع الاستراتيجي لإيران بالقرب من مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة الدولية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق العالمية.
قطاع الطاقة في قلب الأزمة
سجلت أسعار النفط قفزة قوية في الأسواق العالمية، إذ تجاوز سعر خام خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، في ظل المخاوف المتزايدة من تعطل إمدادات النفط التي تعبر مضيق هرمز، والتي تمثل ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من الخام.
كما تأثرت تجارة الغاز الطبيعي المسال القادمة من منطقة الخليج، خصوصاً من قطر، وهو ما انعكس على الأسواق الأوروبية والآسيوية التي شهدت ارتفاعاً في الأسعار وتزايد الضغط على المخزونات، في وقت تشير التقديرات إلى أن مستويات التخزين في أوروبا تراجعت إلى أقل من 30 بالمئة.
وأدى التوتر الأمني في الممرات البحرية إلى تعطيل حركة الناقلات التي تنقل ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط، وهو ما أجبر العديد من السفن على التوقف خارج الخليج أو البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة.
وفي خضم هذه التطورات، اضطرت شركات طاقة كبرى مثل Saudi Aramco إلى تعديل جداول الإنتاج أو خفض الصادرات مؤقتاً، إلى جانب شركات في الكويت والإمارات والعراق، بعدما امتلأت خزانات التخزين نتيجة صعوبة نقل الشحنات عبر مضيق هرمز.
كما تعرضت بعض منشآت الطاقة ومخازن الوقود في إيران ودول مجاورة لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، وهو ما أدى إلى ارتفاع ما يعرف بعلاوة المخاطر في أسواق الطاقة العالمية.
المعادن الصناعية تحت الضغط
امتدت تداعيات الحرب أيضاً إلى أسواق المعادن الصناعية، حيث سجل الألمنيوم ارتفاعاً ملحوظاً متجاوزاً 3400 دولار للطن، في ظل تعطل سلاسل الإمداد وإعلان شركات صناعية كبرى حالة القوة القاهرة، من بينها شركة Aluminium Bahrain في البحرين.
كما تأثر سوق الهيليوم، وهو عنصر أساسي في الصناعات التكنولوجية والطبية، إذ تعد قطر أحد أكبر المنتجين عالمياً لهذا الغاز الحيوي الذي يدخل في صناعة أشباه الموصلات والأجهزة الطبية، ما يهدد بتداعيات محتملة على قطاع التكنولوجيا العالمي في حال استمرار التعطل.
ارتفاع تكاليف الزراعة والغذاء
وشملت التأثيرات أيضاً قطاع الأسمدة والمواد الكيماوية الزراعية، حيث تعد منطقة الخليج مصدراً مهماً لمركبات الأمونيا والنيتروجين المستخدمة في إنتاج الأسمدة، ومع ارتفاع أسعار الغاز وتعطل حركة الشحن ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي، الأمر الذي قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
السكر يتأثر بشكل غير مباشر
ومن بين السلع التي شهدت ارتفاعاً في الأسعار أيضاً السكر، ليس فقط بسبب اضطراب النقل في الخليج، بل نتيجة التغيرات في سوق الطاقة العالمية، حيث دفعت أسعار النفط المرتفعة مصانع السكر في البرازيل إلى تحويل جزء أكبر من إنتاج قصب السكر نحو صناعة الإيثانول الحيوي المستخدم كوقود بديل.
هذا التحول قلص الكميات الموجهة لإنتاج السكر، ما أدى إلى انخفاض المعروض العالمي وارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية.
كما تأثرت عمليات تكرير السكر في منطقة الخليج، التي تعد مركزاً مهماً لهذه الصناعة، خصوصاً في دبي التي تحتضن أحد أكبر مصانع تكرير السكر في العالم، حيث أعاق تعطل الملاحة في مضيق هرمز وصول شحنات السكر الخام من البرازيل والهند إلى المصافي.
قطاع النقل والشحن في مواجهة التكاليف
ولم يقتصر تأثير الحرب على السلع، بل امتد إلى قطاع النقل البحري والجوي، إذ تضاعفت تكاليف استئجار ناقلات النفط والغاز، كما ارتفعت رسوم التأمين على السفن بسبب مخاطر الحرب، في حين تغيرت مسارات العديد من الرحلات الجوية لتجنب الأجواء المتأثرة بالصراع.
كما شهدت مطارات رئيسية في المنطقة مثل مطار مطار دبي الدولي اضطرابات في حركة الطيران، ما أدى إلى زيادة تكاليف التشغيل والوقود لشركات الطيران العالمية.
عودة الذهب كملاذ آمن
وفي ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على الأسواق، اتجه المستثمرون بشكل متزايد إلى الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة خلال فترات الأزمات والحروب، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره مع تصاعد المخاوف من التضخم الناتج عن صدمة أسعار الطاقة.
ويرى محللون اقتصاديون أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو توسع دائرة استهداف المنشآت النفطية في دول الخليج قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل، وهو سيناريو قد يقود الاقتصاد العالمي إلى مرحلة ركود تضخمي تجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار.




