كتب بلقاسم جبار
في كل ذكرى للعشرين أوت، يقف الجزائريون أمام لحظتين مفصليتين من تاريخهم الثوري: هجومات الشمال القسنطيني عام 1955 و مؤتمر الصومام عام 1956. حدثان تلاقيا ليشكلا منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني، حتى استحقا أن يندمجا في ذاكرة واحدة هي اليوم الوطني للمجاهد.
لقد جسدت هجومات الشمال القسنطيني شجاعة شعب قرر أن لا عودة إلى الوراء، وأن الاستقلال حق لا يقبل أنصاف الحلول.
وفي المقابل، أفرز مؤتمر الصومام عبقرية تنظيمية واستراتيجية وضعت الثورة على سكة النصر، وأكدت أن القيادة الثورية كانت تملك من الوعي والحنكة ما جعلها تصنع توازناً بين التضحيات في الميدان والرؤية السياسية للمستقبل.
بعد سبعين سنة، ما زالت شعلة نوفمبر متقدة، تمد الجزائر بقوة الإرادة وتوجه خياراتها في بناء دولة المؤسسات والعدالة والديمقراطية.
فالتاريخ هنا ليس مجرد ذكرى، بل هو مرآة تعكس أن وحدة الجزائريين كانت ولا تزال أقوى سلاح في وجه التحديات والمؤامرات، وهو الدرس الخالد الذي تركه الشهداء والمجاهدون للأجيال.
إن الجزائر اليوم، وهي تواصل مسار الإصلاحات وتؤسس لاقتصاد جديد قائم على المعرفة والابتكار، تستلهم من روح نوفمبر وصومام والشمال القسنطيني القدرة على تحويل التحديات إلى انتصارات.
وإذا كانت معارك التحرير قد حسمت الاستقلال السياسي، فإن معارك اليوم لا تقل شراسة في مواجهة محاولات التشويش والتطويق الاقتصادي والفكري.
الذاكرة إذن ليست للماضي فقط، بل هي رسالة متجددة بأن **الجزائر التي انتصرت بالأمس، قادرة على الانتصار اليوم وغداً**، ما دامت متسلحة بالوحدة الوطنية ومتشبثة بإرثها النوفمبري.