✍️ كتب: بلقاسم جبّار
في التاريخ، بعض التواريخ لا تُخلّد بالأرقام فقط، بل بما تحمله من رمزية وعمق وطني، ويوم 19 ماي 1956 هو واحد من تلك التواريخ التي صنعت انعطافًا مفصليًا في مسار الثورة الجزائرية. إنه اليوم الذي قرر فيه الطلبة الجزائريون أن يضعوا الأقلام جانبًا، لا هروبًا من العلم، بل التزامًا برسالة أسمى: تحرير الوطن.
لقد جاء إضراب الطلبة يومها، ليس فقط استجابة لنداء جبهة التحرير الوطني، بل كرد فعل صادق على اغتيالات وإعدامات طالت زملاءهم، الذي تحوّل إلى رمز للوعي الطلابي المقاوم. ترك الطلبة مدرجات الجامعات والثانويات، والتحقوا بالجبل، حاملين معهم الوعي والعلم والإرادة.
ما يميز انتفاضة 19 ماي ليس فقط في بعدها النضالي، بل في البعد الحضاري والإنساني الذي تجسّد في وحدة صفّ الطلبة، وتضامنهم مع شعبهم، وتقديمهم صورة راقية أمام العالم عن نضج الطالب الجزائري وإدراكه للمرحلة.
لم يكن هذا الإضراب مجرد موقف عابر، بل كان صفعة قوية للاستعمار الفرنسي، ورسالة واضحة بأن فئة النخبة لم تكن بمنأى عن آلام الشعب، بل في طليعة المدافعين عن قضيته. لقد غيّر التحاق الطلبة بالثورة موازين القوى، وجعل من الكفاح المسلح ثورة مؤطرة بالمعرفة والوعي، حيث حمل الطلبة معهم الكفاءات والخبرات، وساهموا في دعم العمل الثوري تنظيمًا وتخطيطًا.
وهكذا، لم يكن يوم 19 ماي مجرّد تاريخ، بل كان إعلانًا بأن العلم لا ينفصل عن النضال، وأن الطالب الجزائري لم يتخلّ عن مقاعد الدراسة إلا ليجلس في موقعه الطبيعي في قلب الوطن وقلب الثورة.
ولهذا، اختير 19 ماي ليكون اليوم الوطني للطالب… لأنه اختزل لحظة وعي جماعي، ولأنه وضع الطالب في مكانه الحقيقي: حاملًا للهمّ الوطني، وشريكًا فعليًا في صناعة التاريخ.